بحث هذه المدونة الإلكترونية

٢٧‏/٠٦‏/٢٠٠٩

رحلتي إلى السجن الكبير... اليوم الرابع


بقلم: عروبة ربيع

1/6/2009

لم تكتفِ قوات الاحتلال بعدوانها الأخير على قطاع غزة بقتل الأطفال و الشيوخ, و لم تقتنع بما سحقت من بيوت و مساجد و مستشفيات و مدارس, و لم يسلم من بطشها شجرٌ أو حجر, بل و دمّرت حدائق ألعاب الأطفال أيضاً, فالأرجوحة هي إحدى المحرّضات على العنف و الإرهاب عند الطفل الفلسطيني, فالطفل عندما يتأرجح يفرح و إذا فرح تأمّل بالحياة و إذا تأمّل بالحياة خيراً فهذا يعني أنه سيحبّ أرضه و سيدافع عنها عندما يكبر, فالأرجوحة إذن هي وسيلة للإرهاب لا محالة, و قِس على ذلك كل أدوات اللعب عند الطفل الفلسطيني.
و كما وعدت منظمة السلام " كود بنك " هؤلاء الإرهابيين الصغار ببناء ثلاث حدائق ألعاب لهم, فقد انطلق في صباح الأول من يونيو عشرة أشخاص من الوفد و كنت أنا من بينهم لنبني أول حديقة ألعاب بحوزتنا, و كان برفقتنا السيد أحمد النجار من وزارة التربية و التعليم و قد أقلّتنا إحدى حافلات الوزارة و التي تبرّع بها البريطانيّون في قافلتهم الأخيرة إلى غزة برفقة عضو البرلمان البريطاني جورج غالاواي حيث كان مكتوبٌ عليها "خط الحياة من بريطانيا إلى غزة", توجّهنا إلى نادٍ للفروسية في منطقة السودانية في البداية كخيارٍ أول لحديقة الألعاب, لكن الفريق أجمع على أنه ليس بالمكان المناسب و ذلك لأنه ملكٌ خاص كما سيتطلّب من الأطفال دفع رسوم لدخول الحديقة مما يخالف الهدف السامي الذي جاء من أجله الوفد, لذلك توجّهنا للخيار الثاني و الذي كان في ساحة مفتوحة في مخيم الشاطئ و كانت مقابل الشاطئ تماماً كما أنها محاذية لشارع رئيسي من الجهة الأخرى, مما دعانا للبحث عن الخيار الثالث و الذي كان الأنسب و الأكثر أماناً للأطفال, فقد وقع اختيارنا على حديقة عامة و اسمها حديقة الشمالي و التي تعود ملكيّتها للبلدية في معسكر الشاطئ, حيث كانت تلك الحديقة مسوّرة و أرضيتها رملية لكنها تكاد تكون خالية من الألعاب, ففيها بقايا ألعاب بعضها يملؤها الصدأ و بعضها الآخر مهترئٌ مكسّرٌ. و ما أن وصلنا هناك و بدأنا بنقل معدات الألعاب إلى الحديقة أحاطنا أكثر من ألفي طفلٍ بلحظات!, و كانوا بغاية الحماس و الفرح و هم يراقبوننا, و عندما سألتهم إن كانوا يرغبون بمساعدتنا في نقل الألعاب و المعدّات إلى الحديقة لم أنهِ جملتي حتى هبّ كل من كان هناك من أطفال يتسابقون لحمل تلك المعدّات و نقلها.





أثناء تلك الفترة كنا نواصل اتصالاتنا مع أشباه مصانع الباطون في القطاع, و ذلك لضرورة صبّ الباطون بعد غرز قواعد الألعاب بالرمل لتثبيتها, لكننا لم نجد مصنعاً واحداً في القطاع بأكمله يرسل لنا بضعة سنتيمترات مكعّبة من الباطون لعدم وجود الإسمنت فيه, فواصلنا تركيب الألعاب على أمل تأمين الباطون بعد الظهيرة, و أثناء ذلك أخذتُ أُتحدث مع الأطفال هناك و أطلب منهم أن يغنّوا لي ما يحفظون من أناشيد, فكانت الأغنية الأولى لهم تقول " لا تقولوا علينا صغار ... من هالعيشة صرنا كبار ... من غير فلسطين شو يعني طفولة", عدت بذاكرتي حينها لأيام الانتفاضة الأولى حيث كنتُ أبلغ الرابعة من عمري و كلما سألني الكبار لأغني لهم أخذتُ أغني أغانٍ وطنية و اذكر منها جيداً " نزلنا عالشوارع رفعنا الرايات, غنّينا لبلادي أحلى الاغنيات, أغاني للحرية و الوحدة الوطنية", لكن الفرق بيني و بين أولئك الاطفال أني لم أعِش أيام القصف و الرعب كما عاشوه هم, فقد كان الإعتداء على الفلسطينيين وقتها بريٌ فقط, بعكس مجزرة غزة و التي اختُرِق جوّها و بحرها و أرضها و جرّب العدوّ فيها ما يحلو له من أسلحة محرمة و غير محرمة ضارباً بعرض الحائط القوانين الدولية و من يدعو بالتزامها ,,,حيث قابلتُ هناك طفلةٌ و اسمها آية الفيري و التي تبلغ من العمر تسع سنوات, أخذت تحدّثني عمّا مرت به أيام الحرب, فقد قالت لي أنها عاشت الحرب وأهلها في ذعر و خوف, فمرة يضيء البيت بأكمله رغم انقطاع الكهرباء في الساعة الثانية صباحاً إثر قصف مجاور, فيخرج الجميع فزعاً من البيت للخارج, و مرةً يوقظ الصليب الأحمر من في الحي و ينبّههم بضرورة إخلاء المنطقة, ثم قالت : " كنت أنام و أنا أبكي لأني كنت خايفة يصير فيي زي بنات بعلوشة", وبنات بعلوشة هنّ خمس شقيقات استشهدن خلال الحرب أثناء قصف مسجد بمخيم جباليا, حيث وجدت جثثهنّ تحت أنقاض المنزل الذي دُمّر بالكامل في تلك الحادثة حيث كنّ قد التحفن ببطانية في إحدى غرفتي المنزل و استشهدن جميعاً إثر قذيفة استهدفت زاوية الغرفة تلك, و أضافت حينها الطفلة براء الفيري (8 سنوات), أن الأقارب في الحرب كانوا يجتمعون بالبيت الأقل عدداً من الطوابق, و ذلك لأن العدو الإسرائيلي كان يتعمّد قصف المنازل ذات الطوابق المتعددة و العمارات و إن لم تكن تلك العائلة محظوظة فتكون قد انتهت عن بكرة أبيها, كما حصل مع عائلة سمّوني و الذين بعد أن لاذوا ببيتهم قصفتهم دبابة اسرائيلية في هجومين منفصلين موقعةً 29 شهيداً و 45 جريحاً من العائلة نفسها.
و بعد سماع القصص المأساوية تلك كنا قد أشرفنا على إنهاء تركيب الألعاب حتى أن الأطفال أخذوا يتسابقون على اللعب بها و اصطفوا طابوراً طويلاً كلٌ بانتظار دوره دون انتظار صب الباطون! و لكن للأسف بعدما رسمنا البسمة على شفاه أولئك الأطفال عدنا و فككنا الألعاب لعدم وصول الباطون, و وضعناها على الأرض على أمل تأمين تلك الكمية من الباطون في اليوم التالي, حتى أن طفلةً صغيرة سألتني بعدما رأتنا نفكّ ما بنيناه " انتو زعلتوا علينا عشان هيك بطلتوا تلاعبونا؟!", و أتمنى لو سمع ذلك السؤال من بيده فتح معبر رفح و إغلاقه, ليرى بعينه كيف يشعر الطفل بعد أن يُكسر قلبه و يشعر بأنه حُرم مرةً أخرى من اللعب, مع أنّه بقلبه المتحجر ذلك من المتوقّع أن يجيبها "احنا مش زعلانين عليكي لكن مش عايزين نزعّل عمو أولمرت!".
اتجه الوفد بعد ذلك لمستشفى الشفاء, حيث كان باستقبالنا وزير الصحة د.باسم نعيم _والد الشهيد نعيم نعيم_ و الذي ألقى محاضرةً وضّح فيها ما يعاني منه المستشفى من نقص في المعدات و الأطباء كما اللوازم الطبية, فمستشفى الشفاء هو مشفى حكومي أي تابعٌ لحكومة حماس منذ استلامها السلطة في قطاع غزة, و مذ ذلك الوقت انقطع عنه الدعم المالي إثر استراتيجية الاحتلال بالتضييق على الحكومة, فموظفيه لا يتلقّون أجورهم إلا ما ندر من رواتب رمزية, و غرف العمليات بحاجة للمعدات فيها, كما و إن وجدت المعدات فقد توقّفت عن العمل بسبب انقطاع الموارد, هذا المستشفى الذي يعدّ الأكبر في القطاع يُهدد بالإغلاق, ففي وحدة غسيل الكلى مثلاً رأيتُ جهازاً واحداً لتنقية الدم, لكنه لا يعمل منذ ستة أشهر بسبب عطلٍ فيه إثر تواصل انقطاع الكهرباء. و أخبرنا مدير المستشفى أن هناك أكثر من 600 حالة مصابة بالفشل الكلوي و التي تحتاج إلى غسيل كلوي ثلاث مرات أسبوعياً, لكن المستشفى غير قادرٍ على تأمين العلاج لأولئك المرضى, حتى أن المستشفى قد أرسل نداءً لجميع شركات تنقية المياه ليحصل على المياة المقطرة اللازمة للغسيل الكلوي, لكن لم تستطع كافة المصانع تأمين ذلك, إلا مصنعاً واحداً زوّد المستشفى بمياه مقطّرة و "بتركيز أيوني" يعادل ضعف الكمية المطلوبة لعملية الغسيل, و مع ذلك تمّ استخدامه في الحالات الطارئة.
مستشفى الشفاء استقبل آلاف الجرحى أثناء المجزرة رغم ما يعاني منه من فقر يتهدّد بإغلاقه, لكن العدد المتزايد للجرحى و وجود المستشفى في قلب مدينة غزة أجبراه على العمل, فالطبيب النرويجي مادس جيلبرت و الذي كان يعمل طبيباً متبرّعاً أثناء الحرب قال أن بتر الأطراف كان يشبه خطوط الإنتاج في المصانع و أن ممرات المستشفى كانت تعجّ بالمشوّهين, عداك عن قصف قوات الاحتلال لمسجد قريبٍ من المستشفى مما أدى إلى انهيار زجاج نوافذه و انخفاض درجة حرارة غرف المستشفى لسبع درجات مئوية مما زاد سوء حالة الجرحى سوءاً.
حزنت جداً عندما وصلنا إلى غرفة التصوير الطبقي في المستشفى أثناء تجوّلنا بممرّاته, فالغرفة كانت مجهّزة بكافة المعدات إلا أن سرير التصوير ما زال مغطىً بالبلاستيك, لأن الجهاز الرئيس للتصوير ينقصه بعض أدوات المعايرة! و سبب العلّة طبعا هو أن المستشفى حكومي و لا يتلقّى أي دعم مالي!.
في الفترة 27-12-2008 إلى 23-1-2009 قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 1455 شخصاً من بينهم 115 امرأةً و 404 أطفال و 16 مسعفاً, كما جرحت 5303 شخصاً منهم 785 امرأة و 1815 طفلاً و 38 مسعفاً. كما قامت باستهداف 5 مستشفيات حكومية و 3 خاصة, بالإضافة إلى قصف 33 عيادة طبية تابعة لوزارة الصحة و اثنتين غير حكوميتين, و 5 عيادات تابعة لوكالة الغوث و تشغيل اللاجئين الأونروا, و وفقاً لوزير الصحة فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي قذفت قطاع غزة بثلاثة ملايين كغم من المتفجرات أي ما يعادل 2 كغم لكل غزّي!.
و من الأضرار في القطاع الصحي أيضاً نَقص عدد الأدوية الضرورية لذوي الأمراض المزمنة و السرطانية و انخفاضها إلى 110 أنواع من أصل 470. و من الأضرار كذلك, تراكم 600,000 طن من مخلفات البناء بسبب الدمار مؤدية إلى تلوث المحيط الجوي و التربة.هذه الإحصائية هي من وزارة الصحة فقط, و سيجد الباحث العديد من الأرقام الهائلة أيضاً الصادرة عن قطاع الصناعة و الزراعة و البيئة و غيره,, و في النهاية ما زالت هذه الأرقام تتزايد باطّراد و ليتفرّج المتفرّجون من المجتمع الدولي و العربي و كما يقول المثل " اللي بوكل العصي مش زي اللي بِعدّها".

لقراءة اليوم الخامس الرجاء الضغط هنا


لمشاهدة محطتي على اليوتيوب الرجاء الضغط هنا

هناك تعليق واحد:

  1. ستقوم هذه الامه العظيمه مرة اخرى من تحت الثرى لتبني غدا مشرقا باذن الله.
    وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق

    جزاك الله خيرا اخت عروبه

    ردحذف