بحث هذه المدونة الإلكترونية

٣٠‏/٠٦‏/٢٠٠٩

رحلتي إلى السجن الكبير ..اليوم الخامس



بقلم: عروبة ربيع


2/6/2009
جولتنا في اليوم الخامس كانت في المنطقة الوسطى للقطاع , حيث توجهنا بدايةً لمركز النشاط النسائي في مخيم المغازي و حدّثتنا النسوة هناك عما عانينه و يعانينه من أوضاع معيشية إثر الحصار المفروض و العدوان الأخير على القطاع, إحدى النسوة أخبرتني أن معظم من هُدمت بيوتهم تم استضافتهم عند الأقارب, لكن الفقر و البطالة و عدم وجود المساعدات أدت إلى ضيق العيش و اليأس و كما قالت لي " الناس بطّلت طايقة بعض, النا 6 أشهر عايشين 30 نفر في البيت الواحد, و ما في بيوت للأجرة" , و أضافت امرأة أخرى : " تعالوا شوفونا ثلاجاتنا و الله مطفية لأنها فاضية", فمعدلات البطالة والفقر ارتفعت نتيجة توقف الحياة الاقتصادية بالكامل، إذ بلغ معدل البطالة 65% ومعدل الفقر 80% منذ بداية الحصار إثر تدمير المصانع والشركات التجارية وتجريف الأراضي الزراعية وهدم المئات من مزارع تربية الدواجن وضرب سوق الثروة الحيوانية والسمكية، وأصبح 85% من الغزيين يعتمدون على المساعدات الإنسانية المقدمة من وكالة الغوث "أونروا" وبرنامج الغذاء العالمي والجمعيات الخيرية والإغاثية المختلفة.

توجّهنا بعد ذلك إلى مركز براعم المحبة في المخيم أيضاً, لنستمع لمزيد من المآسي, حيث حدّثنا الحاج رزق عن تهجيره للمرة الثانية بعد هجرة ال 48, فلسوء حظ هذا الشيخ أن بيته محاذٍ للحدود الاسرائيلية, فكان من أوائل البيوت التي تم قصفها في العدوان الإسرائيلي الأخير, و عندما انسحبت قوات الاحتلال من القطاع و أراد العودة لينصب خيمة في حديقة منزله أصدر جيش الدفاع الإسرائيلي مرسوماً بإطلاق النار فوراً على كل من يدخل ضمن مسافة ال 300 متراً من الشريط الحدودي و ها هو ذلك الشيخ و عائلته لا يجدون أي مأوى في بلدهم.



قصة أخرى حدثنا إياها الفتى صلاح أبو مسلّم و الذي يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً, حيث كان قد ذهب لزيارة أمه في المستشفى عن طريق حاجز إيريز فقام الجنود الإسرائيلين بإطلاق ثلاث رصاصات على صدره من نوع "دم دم" المتفجر, ثم أخذوه و عالجوه في إسرائيل, و قال صلاح: " لا أعلم لم أطلقوا الرصاص عليّ, فقد كان واضحاً أني كنتُ أعزلاً", صلاح الآن يعاني من صعوبة في اللعب و المشي كما أنه ما زالت هناك شظايا عالقةً في صدره.



غادرنا مركز براعم المحبة بعد سماع قصة صلاح لضيق الوقت, رغم تواجد أكثر من أربعين حالة جاءت لتتحدث عن الظلم و المعاناة, فالعدوّ الصهيوني لم يترك بقعةً في القطاع إلا و كبّدها خسائر بشرية أو مادية, و لا يفوّت الغزيّون أية فرصةٍ لإخبار الوفود عما يقاسونه من معاناة, لعلّ هناك من يسمعهم أو يمدّ لهم يد المساعدة.

محطتنا التالية كانت جمعية نور المعرفة الخيرية لدعم و تنمية قدرات الطفل الفلسطيني, حظينا بترحيب رائع من القائمين على الجمعية و طلابها, كما تجوّلنا في مراكز الأنشطة في الجمعية و تعرّفنا على النشاطات التي تقوم بها لتنمية قدرات الطفل مثل حلقات الرسم و الغناء و القصص و غيره, و ما لفت نظري أن معظم رسومات الأطفال في حلقة الرسم الحر كانت تحوي علم فلسطين أو كلمة فلسطين أو أشجار سرو أو بحر غزة فلعلّ الطفل الغزّي لم يفقد الأمل و ما زال يتطلّع لحياةٍ أفضل رغم ما يعيشه من ظروف محبطة و مثيرة للشفقة, فوجئنا بعد ذلك أن الجمعية قد قامت بدعوة أهالي جميع الطلاب لحفل تكريم الطلبة المتفوقين فيها على شرف وفد منظمة كود بِنك, مما أسعدنا جميعاً, و هذا ما علّق عليه زميلي مايك ليفي اليهودي و الذي أشار لي عند الغداء و قال: انظري كمية الطعام و كرم الضيافة رغم ضيق عيشهم, ثم قال: تعجز الكلمات عن وصف حسن ضيافة الشعب الفلسطيني.

و من جمعية نور المعرفة إلى منتدى شارك الشبابي, لنقابل مزيداً من الأطفال و من الطبيعي آنذاك أن تجد نفسك محاطاً بمئات بل آلاف الأطفال فنسبتهم تقارب ال 60% من سكان القطاع, و هناك دعا منتدى شارك الشبابي - و الذي يعمل به شباب متطوعون - أولئك الأطفال إلى منتزهٍ في مدينة غزة, و نظّم فقرات ترفيهية للأطفال من غناء و مسابقات و ألعاب و غيره, و فرح الأطفال بالوفد كما فرح الوفد بهم, و ما أضحكني هناك هو إحدى الرسومات لطفلة, حيث رسمت "قلب حب" و سهم يخترقه من جانبيه و أول حرف من اسمها هناء من جهة و حرف الفاء _الحرف الاول من فتح_ من الجهة الأخرى ثم كتبت "الحب المستحيل: حركة فتح", لقد عجزت عن تحليل تلك الرسمة, فهل قصدت بها أن حبها لحركة فتح مستحيل بعدما فعلت السلطة "المحسوبة على حركة فتح" ما فعلته من التزام للصمت إثر العدوان على غزة, أم أن حبها لحركة فتح أصبح محالٌ وصله, بعدما أمسكت حماس بزمام الأمور في غزة و لم تسمح لحركة فتح بالتدخل في أي شأن داخلي في القطاع. ولتكن هناء قصدت ما قصدته من لوحتها, لكن بالحالتين فإن الحب المستحيل قد أصبح يتلخّص بقول الشاعر تميم البرغوثي ( قفص محبوس فيه سعدان..و اخوه برة عم ينطنط وهو فرحان.. و هم الجوز محبوسين في قفص أكبر.. عجل داير.. عجل سيارة العسكر).

محطتنا الأخيرة كانت لوزارة الأسرى و المحررين, حيث التقينا هناك بخمس و سبعين عائلة من ذوي الأسرى و بحضور وكيل وزارة الأسرى محمد الكتري, و أخذت النسوة هناك يحدثننا عن ذويهن الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية منذ عشرات السنين و يلاقون فيها أشد أنواع التعذيب و القهر و الإذلال, فقد حدثتنا أم الأسير عماد شحادة المحكوم بسبعٍ و أربعين سنة و هي ذاتها أخت الأسير حاتم اسماعيل المحكوم بخمسٍ و عشرين سنة, حدثتنا عن ظروف اعتقال ابنها عماد, حيث استوقفه الجنود أثناء عودته من عمله اليومي في الانتفاضة الاولى عام 1989 و أخذوه للشاطئ و أوسعوه ضرباً ثم دفنوه حياً تحت رمال الشاطئ و هو يستنجد ربّه و من كان ينظر إليه من شبابيك البيوت المقابلة للشاطئ و ما كان بيد أحد أية حيلة, و أنهت أمه حديثها قائلة : " إلو 20 سنة في الحبس و ضايلّو 27 سنة ,, يعني بدي اعيش كمان 27 سنة و أنا عمري 68؟! بدي أشوف ابني يا ناس".

ثم حدّثنا والد الأسير أشرف المحكوم بثلاثمائة و عشرين سنة في سجن نفحا الصحراوي و قال: " أنا عمري 82 سنة , هل أشكّل خطراً على أمن اسرائيل لأُحرم من زيارة ابني منذ سنتين و نصف و قبل تلك الزيارة حُرمت لأربع سنواتٍ أيضاً؟", ثم قال: " لماذا عندما أُسر شاليط قامت الدنيا و ما قعدت, أما ال 11,700 أسير فلسطيني لا أحد يأبه بهم و يتغاضى العالم عن وجودهم؟, لا يوجد قانون في دول العالم أجمع يمنع أهالي الأسرى من زيارة ذويهم" ثم أضاف و دمعته تبرق في عينه " ماتت أمه متحسرةً على ابنها دون أن تستطع رؤيته, و ها أنا قد أصبحت شيخاً مسنّاً و لا أستطيع رؤيته قبل موتي" ثم أنهى حديثه بقوله: " دخلوا مرفوعين الرأس و سيخرجون كذلك إن شاء الله"

والدة الأسير رامي سالم المحكوم بثلاث عشرة سنة و التي لم تر ابنها منذ خمس سنوات استنجدت الوفد لإيصال رسالتها للدول الأوروبية و أمريكا تطالبهم بتشكيل لجنة دولية لكشف جرائم الاحتلال في السجون الإسرائيلية, و ذلك لسوء معاملة المرضى في سجون الاحتلال و كما قالت: " مريض السرطان بعطوه حبة أكامول (مسكِّن آلام) و كذلك الأمر مع مرضى القلب و الأمراض المزمنة الأخرى, ليش ما في لجنة لحماية حقوق الأسير مع وجود منظمات لحماية حقوق الحيوان في العالم؟.. وين حقوق الانسان و وين العدالة؟ ما بكفّينا الحصار جواً و براً و بحراً؟".
والدة الأسير حمدي الزويدي المحكوم مدى الحياة, أخبرتنا أن ابنها الذي أمضى لغاية اليوم 20 سنة في الأسر مرض مرضاً شديداً و بدلاً من أن يُعالج أعطوه غذاءً مسموماً ليقاسي بعدها من آلام التسمم رغم مرضه, ثم قالت لنا بأنها عندما ذهبت لزيارته قبل ثماني سنوات خرجت من بيتها الساعة الثانية صباحاً و وصلت لابنها الساعة العاشرة مساءً بعدما عانت أشد المعاناة على الحواجز العسكرية, و عندما جاء موعد الزيارة لم تحظ برؤية ابنها إلا لمدة 30 دقيقة فقط! علماً بأن بعض النساء أيضاً بعدما وصلن للسجن حُرمن من رؤية ذويهن رغم ما واجهنه من متاعب. ثم قالت ام حمدي : " أنا أم عمري 60 سنة , هل أشكّل خطراً على حكومة؟!!" و لم تكتفِ قوات الاحتلال بحرمان أم حمدي من فلذة كبدها, بل و هدمت بيتها أيضاً و جرفت أرضها أيام حكم شارون, بل و لم تكتفِ بكلّ ما فعلته أيضاً إلا عندما ردمت بئر الماء الذي تستقي منه هي و أسرتها, ثم أخذت دموعها تذرف و هي تقول: " هم ليش بعملوا فينا هيك, يرحمونا و يخلونا نعيش زيهم".

الفتاة أفنان صقر ابنة الأسير جلال صقر المحكوم مدى الحياة و أمضى منها 18 سنة, سُجن والد أفنان عندما كانت تبلغ من العمر أربعة شهور, و قالت لم أر والدي إلا مرة واحدة و لا أعرفه جيداً و الصور هي الحضن الوحيد الذي احضنه فيه, أفنان تبلغ من العمر 18 سنة و هي تستعدّ لامتحانات التوجيهي و مع ذلك تركت دراستها و جاءت تخبرنا قصتها لعلّ هناك بصيص أمل تتمكّن من خلاله رؤية والدها, و قالت: " كل عيد و كل مناسبة لنا بها ذكرى حزينة و مأساة, فنحن لم نعش طفولتنا كما يعيشها الناس, و أتمنى ان أحظى بفطور على مائدة مع والدي الذي حُرمت منه مع أنه حيٌ يرزق"

أعداد الأسرى في ارتفاع مستمر حيث وصل عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية مع مطلع هذا العام إلى 11,700 أسير من بينهم 360 طفلاً دون سن الثامنة عشرة و من بين الأسرى المرضى 500 أسير بحاجة إلى عمليات جراحية عاجلة ، و 150 أسير يعانون من أمراض خطيرة جداً كالسرطان والكلى والقلب والشلل والسكري، و17 أسير يستخدمون الكرسي المتحرك والعكاكيز في حركتهم وتنقلهم، وذلك نتيجة إصابتهم بالإعاقة اثر تدهور أوضاعهم الصحية داخل السجون وعدم تلقيهم العلاج المناسب لحالاتهم المرضية ،و ثلاثة أسرى فاقدي البصر بشكل كامل ،و 45 أسير مصابين بالرصاص والشظايا أثناء الاعتقال وقبله ،و ثلاثة أسرى مصابين بالشلل النصفي ويتنقلون على كرسي متحرك.

هؤلاء الأسرى يواجهون أشدّ أنواع التعذيب اللاإنسانية في سجون العدو, و كما قالت لي إحدى الأمهات الغزّيات :" يا ريت ابني مات قبل ما ينحبس, كنت بقرأ الفاتحة ع قبره و بعرف أنه مرتاح, لكن هسه ابني بموت 100 موتة في اليوم الواحد", و لا أستغرب من تمنّي تلك الأم موت ابنها, فمن التعذيب على سبيل المثال لا الحصر شبح الأسير أو إجلاسه أو إيقافه بوضعية تحرمه من النوم لمدة تتجاوز الإثني عشر يوماً مع تعرية السجين تماماً في برد الشتاء القارس و جلده بالوقت نفسه, أو وضع رأس الأسير تحت المياه الباردة و الصابون ثم إخراج رأسه و تسليطه لمروحة هوائية, أو أن يمسك ثلاثة جنود بالأسير و يبطحوه أرضاً و أحدهم يخنقه و آخر يمسك رجليه و أضخمهم جثةً يجلس على صدره!, أو ضرب الأسير على موضع جرحه حتى ينزف دمه أو يغمى عليه, و كذلك الأمر بالنسبة للنساء, فيتم ربط أيديهنّ للوراء ثم يضربهن جنرالات بكل ما أوتوا من بطش, أو يتم ربط شعر الأسيرة بيديها من الخلف و شدّه, و كذلك وضع التراب في الفم و محاولة خنق الأسير أو الأسيرة, و غيره الكثير من الأمثلة التي لا تخضع لأية رقابة أو أي التزام بالقوانين الدولية مثل وضع الأسير بالثلاجة و هي غرفة صغيرة أبعادها 50 سم × 50 سم فقط حيث يتم تسليط الهواء البارد من أعلى الغرفة حتى يتجمد الأسير لساعات إذ أن درجة حرارة الغرفة آنذاك تصل إلى صفر مئوي, عداك عن ظروف الإعتقال الحقيرة التي يتم فيها ضرب ذوي الأسير و تخريب أثاث المنزل و تعرية أطفال الأسير أو وضعهم بغرفة واحدة و الإغلاق عليهم. و أخبرتني إحدى النساء أيضاً أن الأسيرة الحامل إن جاءها المخاض تكون مكبّلةً بيديها و رجليها و تلد أيضاً و هي مكبّلة, و لا تُعطى أية مسكّنات كما لا يكتف الإسرائيليون بتعذيبها أثناء الولادة بل و تُحرم من رضيعها لأيام, حيث يضعونه في غرفة مجاورة لزنزانتها لتستمع إلى صراخ ابنها الرضيع فيزيدوا ألم ولادتها ألماً.

و للعلم فإن فلسطين دخلت موسوعة غينيس بالأرقام القياسية ففيها الأسير يوسف الزق ابن الأسيرة فاطمة الزق و الذي يبلغ من العمر سنة و شهرين, والأسيرة دعاء وهى ابنة الأسيرة خولة زيتاوي وتبلغ من العمر سنتين وثمانية شهور وقد انضمت إلى والدتها الأسيرة داخل السجن بعد أن تركتها رضيعة.

قضية الأسرى قضية مأساوية بشهادة منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية, و ما كشف عنه الأسرى المحررون هو جزءٌ بسيط من معاناة الأسرى, فالأسيرات المحررات مثلاً يتعرّضن للتعذيب النفسي خلال الأسر و بعد إطلاق سراحهن أيضاً مما يمنع شريحةً كبيرة منهن من الحديث عن كيفية تعذيبهنّ, و من هنا أقول أن قضيتنا ليست قضية معابر و لا هي بقضية أنفاق ,, عدونا قتل معايير الإنسانية بنا و لا ينظر لنا إلا كأرقام فقط, و نحن نتحاور و نتعاقد و نتفق و نختلف و نوقّع معاهدات سراً و علناً و مشغولون بنزاعاتنا و تعدداتنا الحزبية بل و يخرج منا من يتهم المقاومة بالعبثية!!!


لقراءة اليوم السادس الرجاء الضغط هنا

لمشاهدة محطتي على اليوتيوب الرجاء الضغط هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق