بحث هذه المدونة الإلكترونية

٢٦‏/٠٥‏/٢٠٠٩

حكاية ام العبد الترمسعاوية 4



بقلم: عروبة ربيع

بعد مرور شهر على مكوث ام العبد بأمريكا, استدعتها اختها ام محمد التي تقطن في ولاية نيوجيرسي لتزورها هي و اطفالها الاربعة, فتوجّهت ام العبد الى نيوجيرسي ملبّيةً دعوة اختها عبر الخطوط الجوية الامريكية
ام محمد تلك هي حديثة العهد بامريكا ايضاً, فهي تقطن في مدينة باتيرسون في نيوجيرسي منذ خمسة أشهر مع ابنها المتزوج و أطفاله, و لم تكتسب الخبرة الكافية في التعامل مع الأجانب كما و أنها تكبر ام العبد بعشرة سنوات.
لكن ام العبد اتخذت نهجاً آخر هذه المرة في الطيران و ذلك لأنها لم تشعر بالراحة اثناء ركوبها في الدرجة المتوسطة في طائرة الملكية الاردنية, فعند ركوبها للطائرة اتجهت في الحال لحجز مقعد من الدرجة الأولى _بعد أن عمّمت على أطفالها الجلوس بمقاعدهم في الوراء_ لتهرع المضيفة لها و توضّح لها باللغة الانجليزية ضرورة رجوعها للدرجة التموسطة في الوراء, و لكن ام العبد أخذت توضّح عدم فهمها لقول المضيفة بقولها "نو انجليش" و المضيفة لا تملّ من محاولة اقناع ام العبد بالرجوع للوراء و ام العبد لا تملّ من تكراراها لِ NO ENGLISH حتى يئست المضيفة من ام العبد و تركتها في مقعد الدرجة الاولى, اذكر اني سألتها مرةً بعد ان روت لي قصتها مع تلك المضيفة ان كانت لم تفهم قول المضيفة فعلاً فأجابتني ( ول يا حبيبتي أيْ هو انا هبلة , مني فاهمة عليها بس شو مقعّدني ورا و انا بقدر ادبّرها و اقعد قدّام!!), هنا اثبتت لي ام العبد ذكاءها و قدرتها في التحايل على أكبر محتال بحنكتها, و عرفت منها فيما بعد ان كلّ رحلاتها الداخلية كانت بنفس الدرجة , فاحيانا تتظاهر بالنوم عند قدوم المضيفة و احيانا اخرى تتظاهر بالمرض الشديد, و ما يضحكني هو انه عند قدوم المضيفة لتسأل ام العبد عما تحبّ شربه تجيبها ام العبدTOMATO JUICE فهي تستطيع هنا تكلّم الانجليزية و بطلاقة!!


و بحُكم ملل ام العبد من الروتين الامريكي المعهود, فقد اقترحت على اختها ام محمد بعد ايام من وصولها بالتوجه الى وسط البلد ( الداون تاون) للترويح عن نفسها و عن اولادها اولاً و لشراء بعض الحاجيّات ثانياً, و توجّهت الاختان في الباص المتوجّه الى داون تاون باسّسيك Passaic و ذلك لما سمعته ام محمد من قريناتها الترمسعاويات في نيوجيرسي بان البضاعة في باسّسيك أرخص من بضاعة باتيرسون.
اثناء جلوس ام العبد في الباص الأمريكي, أخذت تتمعّن الركّاب و تصرّفاتهم و تقارن بين رحلة الباص الامريكية و مثيلتها الفلسطينية, فأول ما لفت نظرها هو طريقة إشغال الركّاب لأنفسهم في الباص, فمنهم من يقرأ الجريدة و منهم من يتصفّح كتابه و منهم من يستخدم حاسوبه الشخصي أو يتحدّث على الهاتف بصوت منخفض, و أخذت تتذكّر الباص الفلسطيني , الذي يشغل الشباب أنفسهم فيه بالمعاكسة و النساء بالحديث عن ام حسني و ام فكري و الرجال بالتدخين و التأفف من الوضع الاقتصادي و السياسي التعيس!!!
ثمّ شدّ نظر ام العبد الى أم و طفلها في الباص, كان ذلك الطفل يتلذذ باكل الشوكولاتا و يداه مغمّستان بما ذاب منها, و الأم تنظر اليه بحنيّه و مودّة, ثم و بدون قصد أوقع ذلك الطفل ما بيديه من شوكولاتا ذائبة في حضن أمّه, فقال الولد ( أوبس) , و اذا بأمه تردّ عليه بقولها It's ok honey و مسحت ما اتّسخ من ثيابها دون أي تذمُّر.
هنا استحضرت ام العبد موقفاً مشابهاً للعبد و هو صغير, حين استفرغ مرّةً بحِجرها في التكسي, بسبب اكله لسندويشة الفلافل المقلية بالزيت المكرر لتنهره أمه بقولها " عمى يعميك , الحق مش عليك , الحق علّي بوخذك ع المدينة, قلتلك تقعد عند اخوتك في الدار ما ردّيتش"
هنا أحسّت ام العبد بالذنب, و بقساوة أسلوبها في تربية أطفالها, و كان ذلك الموقف بمثابة وخزة ابره لأم العبد لتغيّر في أسلوب تربيتها لأطفالها, فأم العبد ليست بأقلّ حنيّة من تلك الأم, كما و أن ذلك الطفل الأشقر (أبو ريالة) ليس بأذكى من العبد أو أخوته!!
دقائق و وصلت أم العبد الى وسط المدينة برفقة اختها ام محمد و اطفالها الأربعة.
أول ما لفت انتباه ام العبد هو أنّ المشاة في امريكا يمشون على الرصيف و يقطعون الشارع عند توقّف عبور السيارات, فاستحضرها بالحال المشاه على دوار المنارة في رام الله, و الذي تضطر السيارات فيه لقطع الشارع عند توقّف عبور المشاة!!!, و مع فارق بسيط وهو عدم وجود أي شرطي مرور في الداون تاون, مع وجود ما يزيد على العشرة من شرطة المرور في دوار المنارة لتنظيم حركة السير!!
دخلت ام العبد و ام محمد الى احد محلات بيع الملابس و الأغراض المنزلية, فبدأ اطفالها يتزاحمون على من يقف امام أمه و يشدّ ثوبها ليعيق مشيتها و يقنعها بضرورة شرائِه لتلك البلوزة أو ذلك القميص, و أم العبد تقول لهم ( كل واحد ينقّي شغلة بس, شايفين أبوكم قاعد ع بنك!!), و لمحت ام العبد من بعيد في تلك اللحظة طناجر مصنوعة من التيفال و اذا بها تقول " و الله هذول يا ام محمد مناح للمقلوبة لانهن ما بلزّقنش" و سالت العبد عن سعر الطنجرة ليجيبها بقوله 15 دولار, هنا اخذت ام العبد تضرب و تطرح بعقلها لتحصل على سعر مكافئ و هو 60 شيكل, فتشجّعت لشراء طنجرتين, واحدة لها و واحدة لاختها صبحيّة في ترمسعيا, فسعرهما رخيص بالمقارنة مع طناجر فلسطين.
ثم توجّهت الى الكاشير لدفع ثمن ما اشترته, ليدور بينها و بين موظفة الكاشير الحوار التالي:
الموظفة: هاي مام
ام العبد: هاي يمّا
الموظفة: تدقّ على آلتها الحاسبة لتحسب كومة الاغراض التي اختارتها ام العبد من ملابس لابنائها و هدايا لاقربائها في ترمسعيا.
ام العبد: " الله يستر ما يطلعن اكثر من 90 دولار"
الموظفة: وَن توينتي ثريه آند فيفتي فايف سينتس 123.55$
ام العبد: و بعد ان ترجم لها العبد الثمن بالعربية ( شوووووو,, نو نو يختي)
الموظفة : وات مام؟؟
ام العبد : نو نو , توو ماتش
الموظفة : !! That's the price of what you got Ma'm
ام العبد: يمّا عبد , شو يعني 90 بالانجليزي
عبد: ناينتي يما
ام العبد : ليسين ,,ناينتي اوكي؟؟
الموظفة : !! No Ma'm I can't do that for you, unless you wanna take out some stuff
ام العبد: شو بتلاخم هاي.....ناينتي بلييز , ناينتي
الموظفة: Sorry Ma'm , there are other customers waiting o­n the line
ام العبد: و بعد رؤيتها لتأفف المنتظرين ورائها في الطابور الطويل الذي أحدثته " خلص الله يقطعها هيّتها جكّرت" فتسحب محفظتها من عِبِّها , و تعدّ الدولارات دولاراً دولاراً و تعطيها للموظفة
الموظفة :Thanks & have a good day
ام العبد: ان شاء الله تنكسري اليوم يالبعيدة مثل ما كسرتي ميزانية ابو العبدو هنا تدخّلت ام محمد بقولها: ولِك طوّلي روحك يا مرة, لسّه شو شفتي من اللي شفته في هالخمس تُشْهر"
خرجت ام العبد بكومة الاكياس تلك, و وضعتها جميعاً في سلّتها الخضراء الشبكية المعهودة فقد أحضرت رفيقتها في السوق هذه الى امريكا ملآى بالحاجيات التي استخدمتها بالطائرة كَحقيبة يد Hand bagثمّ سحبت على مدخل المحلّ احد القمصان التي اشترتها و لفّته بشكل دائري صانعةً به ما يُسمّى ب " المِدْوَرَة", و هي وضعيّة لقطعة القماش الملفوفة تضعها ام العبد على رأسها لتحمل عليها الأغراض الثقيلة التي بحوزتها.
و توجّهت ام العبد في استكمال مشوراها الترفيهي لافتةً أنظار كل من مرَّ عنها , فمنهم ما اكتفى بنظرات الإعجاب بقدرتها على حمل ذلك الثِّقل على رأسها و منهم من أبدى اعجابه بقوله: Wow, have you worked in circus before!!
و ام العبد تحدّث اختها بقولها: " هيّتهم حبّوا الحركة, كيف لو يشوفوني و انا حاملة لَكَن العجين على راسي, و لّا لو شافوني و انا حاملة تنكة الميّ من العين لباب الدار"
و بعد ساعات من المضيّ بالسوق عادت ام العبد و اختها ام محمد الى موقف الباص للعودة الى باتيرسون مرة اخرى, و بعد أن وقف الباص في تلك المحطة صعدت ام العبد و من معها اليه و سألت ام محمد السائق " باتيرسون يمّا؟؟"و اذا بالسائق يردّ عليها بقوله: No, NYفلملمت ام العبد ما تبعثر من اطفالها داخل الباص و نزلت منه قائلة " وَلْ, باص التميمي عنّا بروح ع كل المطارح , ع عين سينيا و دورا و الجلزون و رام الله و كل القرى اللي في نابلس, يعني هلكيت مبقدرش يودّينا في طريقه؟!!!"
و ام محمد تلحقها على درج الباص قائلة" يلّا يقطعه ما صدّقت و انا اردّد حالي و اطلع"
و انتظر الجميع حتى قدم الباص الذي يليه.و صعدوا للمرّة الثانية للباص, و كررت ام محمد سؤالها " باتيرسون يمّا؟" و اذا بالسائق يجيبها YES
همّت ام محمد لتسبق أختها ام العبد و تدفع اجرة الجميع , و ام العبد تمسك بيد اختها ام محمد بشدّة و تقول " لا و الله ما بتدفعي ولا قرش, انا اللي بدّي ادفع" و انقضّت على عبّها ساحبةً منه فئة المائة دولار, و اذا بسائق الباص يقول لهاCoins or exact changeو بعد ترجمة العبد لها قول السائق قالت لابنها " قولّه ما معيش لا هاظ و لا هاظ"
و ام محمد اختها تقول " و انا الثانية معيش فراطة"
عندها أشار السائق لكلتيهما بالدخول, فقالت ام العبد لاختها : " هيّته من المتضامنين معنا , لانه اسمر و بقولو انهم السمر بحبّونا, لانهم هان عندهم تفريق عنصري, فبحسّوا حالهم مظلمومين زيّنا "
و في طريق العودة, صعدت امرأة عجوز الى الباص الممتلئ, فاذا بأم العبد تقول لابنها " قوم يمّا يا عبد قعّدها" و يقوم العبد بالحال ليُجلس تلك العجوز, لتلفت ام العبد انظار الركّاب لشهامة موقفها هي و ابنها.
ثم توقّف الباص لحمل امرأة اخرى معاقة على كرسي متحرّك و بكبسة زرّ أنزل السائق المزلاج المصنوع خصيصاً لصعود و نزول المعاقين من و الى الباص Bus ramp لتصعد تلك المرأة واضعةً سمّاعات على أذنيها ينبعث منها صوت الموسيقى الصاخبة كما و لفت انتباه ام العبد لأظافرها المطلية باللون الأحمر , فحدّثت ام العبد اختها بقولها " هيها معوّقة و مكيّفة و ومتمنكرة و عايشة حياتها, حزينة ام داهود جارتنا, اللي الها 10 سنين مكرسحة وقاعدة في تختها , لا عرس ابن اخوها حضرت و لا دفن اختها هذيك اليوم ما حضرت , حِتّى خافالله من يوم ما اخذت الهوية ما وصلت رام الله غير تتراجع ع دكتور الضغط"ثم عادت ام العبد و اختها بعد رحلة الاستغراب و المفاصلة تلك الى باتيرسون حيث تعيش ام محمد.
الى اللقاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق