30/5/2009
في الساعة الثامنة من صباح 30 مايو 2009 حزمنا أمتعتنا متوجهين إلى معبر رفح الحدودي وكنت كما كلّ من كان بالوفد خائفة و متوترة لا أدري إن كنا سنتمكّن من العبور أم لا, و لا نعرف إن كان مصير شاحنة الألعاب الدخول أم اللحاق برفيقاتها من الشاحنات التي تحمل آلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية التي تكدّست و فسدت على المعبر, و ما زاد القلق أن منظمة اليونيسف صرّحت بأن ألعاب الأطفال ليست من ضمن المساعدات الإنسانية مما يجعل دخولها أمراً صعباً.
في أثناء رحلتنا وعلى طول الطريق المؤدي من العريش إلى رفح صفّق لنا كل من رآنا أو رفع لنا علامة النصر بيديه سواء أكان كبيراً أم صغيراً و بالأخص عند رؤيتهم لشاحنة الألعاب و التي كانت مطلية باللون الزهري ( شعار المنظمة كود بِنك) و مكتوب عليها أنقذوا أطفال غزة وهذا أمر أسعدني وكل الوفد الذي كنت بصحبته.
و كان مما لفت نظري، أن عدد نقاط التفتيش قد تضاعف على طول المسافة, ففي اليوم السابق من رحلتنا من القاهرة للعريش مررنا بما يقارب عشر نقاط تفتيش على طول الطريق المار بصحراء سيناء, لكن في رحلتنا ذاك اليوم توقّفنا عند أربع نقاط تفتيش في أثناء مرورنا بالأربعين كيلو متراً من العريش إلى رفح , أي ما يقارب نقطة تفتيش كل تسع إلى عشر دقائق!! و لكن الغريب بالأمر أننا لم نتوقّف عند كل نقطة لأكثر من دقيقة أو اثنتين, و ذلك لأن الوفد تابع لمنظمة أمريكية فحظينا باهتمام كبير يكمن سرّه في العلاقة الحميمة بين الولايات المتحدة الأمريكية و عزبة (مصر مبارك) ...عفواً جمهورية مصر العربية, فقد رافقتنا قوات الأمن المصرية لحمايتنا طوال الرحلة أيضاً.
بعدما قطعنا رفح المصرية و وصلنا إلى ميناء رفح البري لاحظت أن المعبر خالٍ تماماً إلا من الشرطة المصرية, لأعلم فيما بعد أن المعبر يُفتح للحالات الإنسانية يومين شهرياً و يتم الإعلان عن ذلك في الصحف المصرية بخمسة أيام مُسبقة, أما قافلتنا فمرّت بيوم استثنائي بتنسيق مع الحكومة المصرية, و هذا ما وضّحته لي ميديا بنجامين القائمة على الوفد, فقالت بأن العديد من القوافل تتجه للمعبر دونما أي تنسيق مع الحكومة المصرية و ذلك لكسر الحصار, فوجهة نظرهم تكمن بأن يتم معاملتهم كما أي فرد غزّي أو مصري يودّ التوجه من أو إلى غزة و تبوء محاولاتهم كسر الحصار بالفشل في كل مرة, أما وفدنا فقد قام بتنسيق مسبق قبل عدة أشهر مع السفارة المصرية في واشنطن, و ذلك لأن الهدف بالإضافة لكسر الحصار هو مساعدة الأطفال في غزة و الوصول إليهم, فقد يكون من عدم الحكمة تجاوز الحكومة المصرية و محاولة عبور الميناء بالقوة, فالقوة الفرعونية هناك على درجة عالية من التأهّب لصدّ كل من لا يحمل إذناً رسمياً بالعبور. أما في اليومين اللذين يتم فيهما فتح المعبر فيكون العبور مسموحاً فقط للحالات الإنسانية (جداً) و لحاملي الجوازات الأمريكية و الأوروبية أو العربية و المقيمين بالخارج.
و قد سُمح لنا بالعبور دونما أي اعتراض! و عندها فقط عرفت أن جنسيتي الامريكية هي التي أنقذتني, لأن الفتاتين المصريتين في الوفد لم يُسمح لهما بالعبور مع أن إحداهما أكدت لي أنها تحمل إذنا رسمياً بالمغادرة من وزارة الخارجية المصرية, لكن الأمن الحدودي أكّد أنه لم يتلقّ أية تعليمات بذلك.
و هنا أذكر حواري مع أحد أفراد الأمن المصري على المعبر, فقد أخذنا نتحدث عن الحصار المفروض على غزة, و هو يبرر ذلك بأن الإشكالية من حماس و ليست من السلطة المصرية و كما ردد لي عدة مرات قوله " السلطة المصرية سلطة حكيمة و لكن العيب من حماس!" فقلت له و هل الحكومة المصرية تملك الحكمة عندما تمنع الطفل الجريح أو رب الأسرة المريض من العبور؟! فأجابني بأن هذه الحالات التي تمنع تكون بسبب انتهاء الجوازات الفلسطينية لديهم, فأجبته بأن السبب في ذلك هو عدم تجديد الجوازات من قِبل حكومة رام الله و التي لا تعترف السلطة المصرية إلا بالجوازات الصادرة من جهتها, فأجابني "إذن حلّوا مشكلتكم مع حكومة رام الله و اتركونا بحالنا" , فإذا كان العربي المسلم يقول اتركونا بحالنا ماذا سننتظر من رحمة اسرائيل؟! و قد استفزّني قدوم أحد أفراد الأمن ليشارك بالحوار و يستشهد بآيات و أحاديث نبوية تحث على نبذ حكومة حماس و بما معناه يبرر الحصار المفروض! فسألته: بما أنك مسلم و تفهم الدين جيداً هل ورد في الإسلام ما يبيح تعذيب جرحى الحكومة "غير الإسلامية" كما قلت في أثناء التحقيق معهم على أيدي أفراد الأمن المصري؟ فأجابني بان تلك ما هي إلا إشاعات مغرضة بحقّ النظام المصري العادل الحكيم! فما كان مني إلا أن أقول لهما: هنيئاً لحكومتكم الحكيمة التي استطاعت غسل أمخاخ كليكما و قلب مفاهيم الدين السمح عندكم!
انتظرنا على المعبر قرابة الثلاث ساعات بانتظار الفتاتين المصريتين دون جدوى, فما كان منّا إلا أن نتركهما لخالقهما و نتوجّه إلى رفح الفلسطينية فلم يكن بمقدورنا مساعدتهما في العبور. عندما تجاوزنا معبر رفح المصري لاح لي العلم الفلسطيني يرفرف بعزّ خلف شجرة سرو شامخة, عندها فقط أيقنتُ أني دخلت بلدي غزة بعدما مُنعت من عبورها أثناء تواجدي لثلاث و عشرين سنة في الضفة الغربية حالي كحال أي فلسطيني محروم من زيارة بلده, مُنعت دخول فلسطين كفلسطينية و الآن يسُمح لي الدخول كأمريكية! اختلطت عندي وقتها مشاعر الحزن و الفرح, كنت فرحةً لتمكّني من العبور و أعتصر ألماً لعدم قدرتي زيارة مسقط رأسي في الضفة, إلا إذا توجهت من مصر إلى الأردن و من ثمّ إلى الضفة الغربية! و كأنها سياسة إحباط ليقع الفلسطيني بين نار رؤية أهله في الضفة أو زيارة غزة و مساعدة إخوانه الفلسطينيين بها و هو الخيار الذي اخترته في إجازتي لمدة عشرة أيام لهذا العام.
حظينا باستقبال حافل على المعبر الفلسطيني, حيث كان باستقبالنا السيد محمد العايدي و طاقم من وكالة الغوث و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) و بعض محطات التلفزة و الإعلام, و احتفلنا جميعاً هناك بزواج ليندا تود الكندية و محمد غريب الغزّي و اللذيْن تعرّفا على بعضيهما عن طريق الانترنت منذ ثماني سنوات مضت و التقيا وجهاً لوجه لأول مرة على المعبر حيث شاء القدر أن يُعقد قرانهما هناك, ثم اتجهنا إلى مركز التدريب المهني في خان يونس, و على طول طريق صلاح الدين ( الطريق الرئيس الذي يربط شمال القطاع بجنوبه) مررنا بالعديد من المباني السكنية المهدمة كلياً او جزئياً, أكثرها حظّاً من تم "تطريز" واجهته الأمامية برصاص الاحتلال الإسرائيلي, مررنا كذلك بحيّ غربي مخيم خان يونس و الذي يضم 600 وحدة سكنية تبرّعت بها الإمارات بالتعاون مع وكالة الغوث و تشغيل اللاجئين و لكنّ هذا المشروع قد توقّف عن البناء منذ الحصار لعدم دخول مواد البناء لغزة حاله كحال أي مشروع آخر في قطاع غزة كاملاً, وصلنا مركز التدريب و القائم على أرض كانت مغتصبة من قبل الإسرائيليين قبل إخلاء المستوطنات في عام 2005, و من الجدير ذكره أن الاحتلال الإسرائيلي كان قد دمر كامل المستوطنات قبل الانسحاب من القطاع, مركز التدريب كان حديثاً و مبنياً على درجة عالية من التطور و الرقي, كما أنه مطل على البحر المتوسط, و كان هناك باستقبالنا السيد جون غينغ مدير عمليات وكالة الغوث حيث ألقى كلمةً تحدّث فيها عن حجم المعاناة في غزة و عن دور الوكالة في تخفيف جزء منها.
و هناك في حفل الاستقبال حدّثتني إحدى المتدربات سميرة العسكري عن الابتكارات التي ابتكرها الغزيّون اثناء الحرب و الحصار, و منها استخدام زيت القلي بدل البنزين مما أدّى الغرض المؤقت لكن أدى إلى خرابٍ في محركات السيارات, و أضافت المتدربة هنادي سكيك أن الاعتماد الكلي في النقل عندما بلغ الحصار أشدّه اثناء الحرب كان على الكارت (عربة الحصان) لعدم توفّر البنزين, و من الابتكارات أيضاً استخدام "بابور الكاز" بدلاً من فرن الغاز لإعداد الطعام, و صنع الفلافل من العدس بدلاً من الحمص و ذلك لسبب مضحك و محزنٍ في آن واحد, فحبوب الحمص مسموح لها بدخول غزة أما الحمص المطحون فلا, و كما قالت إحدى الفتيات لي أيضاً " ما تخافي علينا, و الله بنخلق من الهوا اشي نستخدمه" و بالفعل أدركت صحة ما قالته عندما علمت أن الجميع كان يخبز أثناء الحرب باستخدام الفرن المصنوع من الطين و التبن في القرى و الأماكن الواسعة نوعاً ما, أما في العمارات السكنية فقد تم بناء طابون طيني أيضاً على سطح كل عمارة لتستخدمه النساء فيها, و أما في حالة عدم توفر هذا الفرن أو ذاك فقد قامت النسوة بخبز العجين بوضع قلّاية التيفال على البابور و استقطاع جزء من العجين في كل مرة و قلبه عند النضج! و من الابتكارات الذكية أيضاً وضع الملح مع زيت القلي و الفتيل في كأس و استخدامه كشمعة للإضاءة, و عندما سألتهم عن سبب استخدام الملح قالوا لي "حتى ما يشحبر الحيط من الدخنة". هناك العديد من الابتكارات التي دعت حاجة الغزيين إلى اختراعها و تناقلها الغزيّون أثناء الحصار و علّموها لبعضهم البعض, كبناء البيوت من الطين مثلاً و عدم انتظار رحمة المصريين في السماح بدخول مواد البناء.
قطاع غزة له ستة معابر اسرائيلية و هي: إيريز, ناحل عوز,كارني ( المنطار), كيسوفيم, صوفا,كيرم شالوم (كرم أبو سالم) و المعبر السابع إلى قطاع غزة هو معبر رفح المصري, و تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بين الحين والآخر بفتح معابر قطاع غزة التجارية الثلاثة "كرم أبو سالم والمنطار وناحل عوز" بصورة جزئية لإدخال عدد من الشاحنات المحملة بالبضائع والمساعدات الإنسانية أما العبور من المعابر الثلاثة الأخرى فهي مستحيلة, ما استنتجته من يومي الثاني في تلك الرحلة أن كل الطرق لا تؤدي إلى قطاع غزة بعكس روما التي تؤدي لها كل الطرق!, إلا من رحم ربي و امتلك جوازاً أجنبياً, أو تشوّه أحد أجزاء جسده في الحرب ليحمل إذناً طبياً بالمغادرة من القطاع المنكوب! قطاع غزة هذا "الذي قامت اسرائيل على حصاره و ما قعدت", مساحته 360 كيلو متراً مربّعاً أي أنك تستطيع القيادة من أقصى شماله لأقصى جنوبه بخمس و أربعين دقيقة فقط ! و لكنّه يحوي أناساً ثباتهم ثبات الجبال و كرامتهم تملأ الأرض و ما رحبت و الذين سأحدّثكم عنهم في مذكراتي لليوم الثالث في الرحلة.
انطلقنا قبيل المغيب من مركز التدريب في خان يونس إلى الفندق في مدينة غزة, و مررنا بالساحل الغزّي و الذي تستطيع رؤية البوارج الحربية الإسرائيلية في الأفق خلاله, كما أنك تلاحظ انبعاث رائحة المياه العادمة في عدة مواقع على الساحل, و ذلك بسبب انقطاع التيار الكهربائي و قلة الوقود في القطاع مما أدى إلى تدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى الساحل مسببة تلوّثه, و خطورة الوضع البيئي تظهر واضحة في النهار إذ أن لون المياه العادمة يظهر جلياُ على بقعة واسعة من البحر في عدة مناطق, و هذا ما حذرت منه مراراً و تكراراً منظمات الصحة و البيئة في غزة منذ بداية الحصار و توقّف محطات التكرير عن العمل, فالتلوث أصبح يشكّل خطراً على الحياة البحرية كما على الصحة العامة... و لا نستطيع إلا أن نقول أنّ حتى البحر لم يسلم من بني صهيون!
لقراءة اليوم الثالث الرجاء الضغط هنا
لمشاهدة محطتي على اليوتيوب الرجاء الضغط هنا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق