بحث هذه المدونة الإلكترونية

١١‏/٠٦‏/٢٠٠٩

رحلتي إلى السجن الكبير... اليوم الأول


عروبة ربيع
كُتبت في صباح 30 مايو 2009
توجهنا الساعة التاسعة صباحاً في التاسع و العشرين من أيار منطلقين من القاهرة إلى العريش, و كما قالت لنا ميديا بينجامين اليهودية الأصل و إحدى القائمات على إنشاء منظمة كود بنك "نساء من أجل السلام" أن قرار الانطلاق في الساعة التاسعة صباحاً كان مجرد فكرة من القائمين على الوفد لمحاولة تجميعه قبل الساعة العاشرة, لكن الوفد بأكمله كان مستعدّاً للانطلاق بكل حماس في الساعة الثامنة و النصف صباحاً,
أكتبُ قصتي هذه و عيناي تذرفان دمعاً, حيثُ كنت في ذلك الوقت محاطةً ب 67 شخصا من حاملي الجنسيات الأمريكية و الكندية و الاسترالية و البرتغالية و الاسكتلندية و الإسبانية و المتحمسون جداً لزيارة غزة, حيث رأيتهم يضعون أمتعتهم في الحافلة التي احتوت هدايا و ألعاب للأطفال و أقلام زينة و غيره الكثير من الهدايا التي تجعل أطفال غزة سعداء و تعطيهم الأمل في الحياة, هؤلاء الأجانب كانوا متعاطفين جداً لدرجة أن الوفد بأكمله قد ذهب لزيارةٍ اهرامات الجيزة في اليوم السابق و سمعتهم يتحدثون عن عدم التسرّع في شراء أي غرض تذكاري هناك و توفير كل دولار لمساعدة الغزّيين مع أن أغلبهم كانت زيارته لمصر و للأهرامات هي المرة الأولى في حياته, و شراء أي غرض تذكاري سيكون أمراً مهماً لأي سائح أجنبي!
رافقنا في الوفد العديد من الشخصيات الهامة أذكر منها الكولونيل آن رايت و التي كانت تخدم في الجيش الأمريكي و استقالت منه احتجاجاً على غزو العراق في عام 2003, كما ضمّ الوفد أيضاً الشخص الذي كلما تكلّمتُ إليه بكيت, فهو يذكّرني بجدي رحمه الله و الذي كان يبكي عندما يشاهد أي عدوانٍ إسرائيلي على الفلسطينيين كما هو الحال مع كارل ستشيرين و هو في العقد السادس من عمره و يتحدث العربية بإجادة, حيث كان مدرّساً في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لمدة 18 عاماً و هو ناشط سياسي و لا أستطيع إلا أن أصفه بالحكيم, فهو متحدّث بارع و دراسٌ للتاريخ العربي, و متعاطف جداً مع القضية الفلسطينية, لدرجة أنه وهب ما تبقى من حياته بعد التقاعد لخدمتها! , كما أن في الوفد أيضاً البروفيسور اليهودي و الكاتب نورم فينكيلستين و الذي ألّف كتباً عدة تتحدث عن المحرقة و كيفية استغلال اليهود لها لإنشاء الدولة اليهودية و ألّف كتباً تتحدث عن الدولة الصهيونية , و في الوفد أيضاً الشخصية المميزة بالنسبة لي شيلي كوهين و التي تربّت على أيدي عائلة صهيوينة متشددة و لكنها بعدما درست القضية الفلسطينية و بعد انضمامها في منظمة من أجل السلام في الشرق الأوسط تمكّنت من نزع الحقد الذي تربّت عليه للفلسطينيين, و رافقتنا في الوفد لتطّلع عن كثب على الدمار الذي حلّ بغزة و لتخبر أهلها به,
كما انضم للوفد أيضاً مريم مازيغ الكندية التونسية الأصل, و التي ألفت كتاباً يتحدّث عن قصة اعتقال زوجها الكندي و السوري الأصل ماهر عرار من قبل المخابرات الأمريكية ثم تم ترحيله قسراً إلى سورياً حيث تم اعتقاله و تعذيبه هناك لمدة سنة كاملة و كانت زوجته مريم هي التي قامت على إخراجه من السجن و إرجاعه إلى كندا حيث كان يسكن معها و مع طفليها بعدما قدّمت جميع الأدلة التي تُثبت براءته من التهم التي وُجّهت إليه بالإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر. الوفد ضمّ 68 شخصاً كما ذكرت و كلّ واحد/ة منهم يحمل قصة و يرى رؤيته الخاصة للحدث لكن جمعهم جميعاً الإصرار على كسر الحصار الظالم على غزة و محاولة إضفاء البسمة على وجوه الأطفال الذين حُرموا من اللعب و الضحك أثناء الغزو و بعده.
بعد القيادة لمدة ساعتين و نصف توقفنا عند استراحة في القنطرة ثم أكملنا مسيرتنا لمدة أربع ساعات و نصف أخرى حتى وصلنا العريش, مررنا بقناة السويس و التي ذكّرتني بالعزّ و الكرامة التي كانت تتمتّع بها مصر في زمن الراحل جمال عبد الناصر, و لكن بسرعة تلاشت تلك المخيلة عندما تم إيقافنا عند محطة تفتيش للشرطة المصرية و الذين لم يستوقفوا من الحافلتين إلا أنا و فتاتين مصريتي الجنسية , بحجة أنهما مصريتان و لا تحملان إذناً رسمياً بالمغادرة من مصر و أنا بحجة أني فلسطينية, حيث سألني الضابط هناك عن جنسيتي فأجبته بأني فلسطينية أمريكية, ثم أمرني بأن أكتب اسمي بالكامل باللغة العربية ففعلتُ ذلك و كان يحدثني بطريقة فظّة جداً, حتى أن جميع من في الحافلة قد أبدى خوفاً و توقّع أن يتم اعتقالي أو شيء من هذا القبيل, و سأرى غداً ما إن سيستوقفوني مرة أخرى أم لا, و لماذا سألوني أنا بالذات مع العلم بأن الوفد كان به خمس فتيات محجبات!
أثناء وجودي في الحافلة كان بجانبي رجلٌ يهودي يبلغ من العمر 60 عاماً, و كنت بغاية الحماس للحديث معه و معرفة ما الذي دعاه للانضمام لهذا الوفد, لاكتشف أثناء حديثي معه بأنه يملك وطنيةً يفقدها الكثير من العرب بل بعض الفلسطينيين أيضاً, هذا الرجل و اسمه تيد أوروباتش هو أستاذ متقاعد في اللغة الانجليزية في مدرسة ثانوية بمحافظة بروكلين في ولاية نيويورك, و هو يعمل من أجل القضية الفلسطينية منذ 35 عاماً, و كان قد زار فلسطين 4 مرات و شارك بمظاهرات ضد إنشاء جدار الفصل العنصري, و أخبرني بأنه في آخر مظاهرة له في قرية بلعين كان قد جلس هو و ثلاثة نشطاء يهود من أجل السلام و 25 امرأة فلسطينية أمام المدرّعات الإسرائيلية لمنعها من التقدم , فتم اعتقاله و ضربه من قبل الجنود الإسرائيليين و ترحيله من فلسطين إلى أمريكا, و أخبرني أنه مطلوبٌ الآن لدى السلطات الإسرائيلية و سيتم اعتقاله في أية لحظةٍ يحاول فيها دخول الضفة الغربية أو اسرائيل مرة أخرى, و لم أستغرب من قوله بأن اليهود يمقتونه أكثر مما يمقتونني كفلسطينية, حيث كان أحد القائمين على إنشاء منظمة جي ستريت اليهودية المعادية لقيام الدولة الإسرائيلية, و التي عمرها سنتين فقط لكنها لعبت دوراً كبيراُ في تغيير عقول الكثير من اليهود الأمريكيين, حتى أن منظمة اللوبي الصهيويني الامريكية "إيه باك" قد مارست ضغطاً كبيراً لإيقاف نشاطات منظمة جي ستريت!,
أشعرني تيد أن الأمل ما زال موجوداً, فهو يرى أن اليهود الأمريكيين قد تغيرت وجهة نظرهم كثيراً في العشرة سنوات الأخيرة, كما يرى بأن سياسة إسرائيل المتغطرسة و هجوم إسرائيل على غزة و وجود منظمات سلام يهودية تلعب دوراً كبيراُ في تثقيف اليهود الأمريكيين كانت جميعها من الأسباب الداعية إلى بداية إنشاء جيل جديد من اليهود الذين يتمتعون بالوعي و عدم الإنحياز الأعمى للدولة المزعومة,
تيد هذا شجّعني كثيراً بضرورة إنشاء لوبي عربي أمريكي, و ردّد لي عدة مرات, أنتم تملكون المال, و العدد و الحق و الجنسيات الأمريكية و هذه الأمور الأربعة كافية لإنشاء لوبي عربي أقوى من اللوبي الصهيوني و الذي يستطيع ممارسة الضغط على الكونغرس الأمريكي لتغيير سياسته الخارجية و ازدواجيته في التعامل مع الأمور.
اختلافي مع تيد كان في قضية حل الدولتين, فهو يخالفني بذلك إذ يرى أن حل الدولتين هو الأمر الأكثر منطقية و الواقعي في ظل الظروف الحالية, حتى أن قيادات حماس و حزب الله وافقتا على حل الدولتين لكن بصيغة أخرى تحمل نفس المعنى, تيد يرى أيضاً أن إسرائيل نواياها مكشوفة و على السلطات الفلسطينية أن تتخذ موقفاً جريئاً و عدم التواصل في التنازل عن اللاشيء! فإسرائيل دولة استعمارية و نواياها هي التطهير العرقي و التي باتت واضحة في اقتراح ليبرمان الأخير بضرورة ولاء فلسطينيي الداخل للدولة الإسرائيلية و إلا سيكون ترحيلهم من الدولة اليهودية هو الحل الوحيد المتاح لهم.
وصلنا العريش, لا أدري كيف أصف مشاعري في تلك اللحظة, لكني شعرتُ بأني أجول في إحدى شوارع رام الله حيث ترعرعت و نشأت, حيث الناس البسطاء المحبّين و المرحّبين بالضيف كما أن السوق التجاري شبيهٌ جداً لأسواق فلسطين, و ما لفت نظري أيضاً أن المصريين هناك يتحدثون بلهجة قريبة جداً من اللهجة الفلسطينية كما أنهم يحظون بعلاقات حميمة و قريبة من الفلسطينيين في غزة, حيث هناك أكثر من مائة ألف عائلة تصاهر عائلات غزّية كما علمت. و هنا أذكر قصة رواها لي أحد الأخوة المصريين في العريش أنه عندما تمّ فتح المعبر من قبل الغزّيين قبل عدة أشهر بالقوة, قال لي بأن الوضع كان مشابهاً لحدٍ ما لما حدث بين المهاجرين و الأنصار إن جاز التشبيه, فقد انطلق الآف الغزيين دفعة واحدة و أقاموا في العريش البلدة الصغيرة نوعاُ ما عند عائلات مصرية باستقبال حميم ودّي و بمشاعر يملؤها التضامن المادي و المعنوي.
كما أن أحد الأخوة في العريش أيضاً حدّثني عن قصة ابنة أخته في غزة, و التي كانت حاملاً في شهرها السادس أثناء الحرب على غزة و أنجبت طفلةً تعاني من ألمٍ شديد في عينيها بعد الحرب و أكّد الأطباء للأم بأن الطفلة ستفقد نظرها في أية لحظة إن لم تتلقّى العلاج, كما أخبروها أنها لا بدّ و أن تعرّضت لغازٍ سام أثناء حملها مما أدى لحدوث هذا المرض الغريب لابنتها, و للأسف ما زالت الأم و رضيعتها ينتظران رحمة حسني مبارك و تحسّن الحال ليستطعن المغادرة للعلاج في مصر.
أذكر هنا أيضاً ما قام به أحد الرجال في الوفد و اسمه مايك ليفي و الذي يبلغ من العمر 62 عاماً, هذا الرجل هو أمريكي يهودي يعيش في ولاية ويسكونسون و يعاني من داء اللايم المزمن.
و فهمتُ أنه بالكاد يملك تكاليف سفره و منعه طبيبه من المجيء إلا أنه أصر على القدوم لإيمانه بأن رؤيته لأطفال غزة بعد أن نبني لهم حدائق الألعاب و نراهم يمرحون و يضحكون سيكون أمراً يسعده و يخفف عنه الألم, هذا الرجل إن جاز أن نقول "الفقير" طلب مني أن أساعده في شراء كرّاسات رسم و ألوان خشبية و مائية للأطفال من إحدى المكتبات نظراً لتحدّثي العربية, فذهبنا إلى إحدى المكتبات سوياً و قمنا بشراء 220 كراسة رسم و 220 علبة ألوان, و مع أنه يحمل 40 دولاراً لشراء تلك الحاجيات إلا أن تكاليف ما اشتراه كان 130 دولاراً, فعندما أخبرته بأنه قد تجاوز المبلغ الذي يملكه لهذا الغرض أصر على شراء الحاجيات و قال لي بأنه سيستدين من أفراد الوفد إن اضطر أثناء عودته لكنه لا يريد أن يكون سبباً في شعور أي طفل بالإحباط لعدم حصوله على كراسة تلوين!
و ها أنا قد أنهيت مذكّرتي لليوم الأول بعدما أختصرت منها قدر المستطاع لعدم الإطالة على القارئ, و أستمع الآن لآذان الفجر في العريش مما يشعرني بالإطمئنان و السكينة و حاجتي للنوم أيضا بعد هذا اليوم الطويل, و أتمنى من الله أن يوفقّنا اليوم في رحلتنا التي ستنطلق بعد 4 ساعات أي الساعة الثامنة صباحاً متجّهين إلى معبر رفح الحدودي.

لقراءة اليوم الثاني الرجاء الضغط هنا

لمشاهدة محطتي على اليوتيوب الرجاء الضغط هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق