بحث هذه المدونة الإلكترونية

٢٦‏/٠٥‏/٢٠٠٩

رعب من تراثنا



بقلم : عروبة ربيع

سراج الغولة... بير الجدواني ...مغارة العروس...البسّ الاسمر ....الظبع (الضبع) ....الغول... هذه ليست اسماء لأفلام رعب,, بل هي اسماء لأماكن او أشخاص او حيوانات او نباتات متعارف عليها في التراث الريفي الترمسعاوي.
ما الذي دعا اجدادنا لاختيار الاسماء المرعبة تلك و اطلاقها على مسمّياتهم لبث الرعب في قلوب الصغار؟؟!!! و ما أسباب تسميتها بتلك الاسماء؟؟؟!! و هل اثّرت بقلوب أطفال ترمسعيا أم لا ؟؟؟ و هل ما زالت تلاقي صداها المرجوّ في أيامنا هذه؟؟!!
هذه كلها اسئلةً طرحتها على نفسي البارحة ليلاً قبل الخلود للنوم , عندما استحضرتني ذكرى مخيفة لمغارة العروس, تلك المغارة التي تقع على قمة جبل في الجانب الجنوبي الشرقي من القرية بالقرب من قرية أبو فلاح,
حدّثتني جدّتي و انا ابنة سبع سنوات ان تلك المغارة تسكنها عروس تلبس فستاناً ابيض و رجليها عبارة عن حوافر حمار أجلّكم الله, كما أنّ شعرها منكوش و بشعة جداً عداك عن لؤمها, فهي إن رأت إنسيّاً خطفته بغض النظر عن عمره أو جنسه, فعلى كل من يمرّ بجانب تلك المغارة و يرى تلك العروس أن يعدو بأسرع ما يمكن دون النظر للوراء, و كما عرفتُ من المتناقلين أيضاً ان تلك العروس سبق لها أن حدّثت احدى نساء البلدة القدامى..... لا اذكر تلك المحادثة التي دارت بينهما و لكن ما اذكره أنني رافقت إخوتي و بضعةً من الأطفال الذين يقربوننا مرةً في نزهةٍ لذلك الجبل, و بحكم الفضول و حبّ المغامرة عند الاطفال الصغار اقتربنا جميعاً من تلك المغارة, و أخذنا ننادي تلك العروس و نحن نرتعش خوفاً لعلّها تخرج, ثم اذكر حينها أن أحدهم قال " هيها طلعت" لتكون تلك الجملة القصيرة كصاعقة سقطت في قلبي و قلوب من معي, عدَونا جميعاً من قمة ذلك الجبل الى أسفله و نحن نصيح باعلى أصواتنا "يماااااااا " ,,, " طلعتلنا" و صوت البكاء و العويل يعلو بيننا و الطريف في الموضوع ان أحد الهاربين تعرقل على منحدر الجبل و وقع أرضاً ليدعس عليه من كان خلفه دون أي اكتراث, فأهوال الحدث كانت أكبر من العواطف.
وصلنا متتابعين الى اسفل الجبل..... وقف الجميع يلهث و البعض يمسح دموعه أو يربّت على بنطاله ليزيل ما علق عليه من تراب و البعض الآخر ينتزع الشوك العالق بملابسه, ثم صرخ أحدهم : " وين محمد" نظرنا جميعاً فَزِعين للجبل, و لكن محمد لم يظهر, في تلك اللحظة أيقنّا جميعاً أن العروس أُعجِبَت بمحمد و خطفته, و أخذ اخوته يتحسّرون على محمد و طفولته التي ضاعت بلحظات... دقائق و ظهر محمد, فسأله أحدهم " كيف فلتَتَك" ,, فقال : " انا اللي قلت هيها طلعت!!!".
مع أننا ادركنا جميعاً حينها أن العروس تلك هي مجرد خرافة, و لعلّ جدّتي اخترعتها لتخيفنا من الابتعاد عن البيت أو الصعود للجبال دون رفقة الكبار, لكنّ العروس ما زالت بفستانها المتّسخ و شعرها المنكوش تظهر بمخيّلتي في الكثير من الأحيان, و مغارتها التي رأيتها بأمّ عيني كانت كفيلة بزرع الخوف في قلبي حتى اللحظة.
حدّثتني احدى قريباتنا المسنّات أيضاً عن " الظبع" و قدرته على خطف عقل من "يبخبخ " له, اذكر اني سألتها عن معنى مصطلح البخبخة , لتجيبني ," يعني بظلّ لاحق الواحد و يقولّه بِخ بِخ بِخ , لحد ما يخطف عقل الواحد و يلحق الظبع لمغارته و يوكله"
بلعت ريقي حين حدّثتني عن رجل من البلدة حصل له ذلك الموقف و تَلَاحقه أحد الأقارب عند آخر رمق له و أنقذه,, و لكن بحكم برائتي حينها لم يتسنّ لي ان اسألها عن سبب عدم بخبخة ذلك الضبع للرجل البطل!!!.
و من احدى قصص الرعب في تراث ترمسعيا أيضاً هي قصة بير الجدواني, ذلك البئر الذي يقع بالقرب من بيتي ( شمال غرب البلدة ) , كما و يحيط به كومة من الحجارة الصغيرة جدا و الحصى و التي لطالما تسائلتُ عن وجودها, لأسمع نفس الاجابة دائماً , ان تلك الحجارة تم رجم بئر الجدواني بها.بئر الجدواني هو مسكن احد العفاريت, و الذي على خلاف الجن لم يشغل نفسه بالوسوسة ( المهمّة الموكلة له من أسياده) بل شغل نفسه بالعشق و الرومانسية, لكن ذلك العفريت كان أكثر تعاسةً من بئره الذي لوقِيَ بالرجم, لأنّ حبّه كان من طرف واحد, فقد تعلّقَ ذلك الولهان بفتاة جميلة جداً بيضاء ذات عيون واسعة سوداء, تلك الفتاة كانت تقيّة جداً و ذِكْرُ الله كان ملازماً لها , ممّا دعى ذلك العفريت للجنون بحبّها, فهي جميلة و لكن وَصْلَها مُحال, فكلّما حاول الاقتراب منها و مَسِّها ذكرت اسم الله ,,, فكانت نهاية ذلك العفريت المشاكس هو أن يسكن بئره ذلك المجاور لبيتي (لسعادة حظي) و يقعد على باب البئر يتحسّر على بنت الجدواني تلك و لعلّه يدخّن أيضاً اثناء جلوسه واضعاً رجلاً فوق الرجل الاخرى ككلّ محب يلاقي الصدّ من المحبوبة, و كان يغنّي على باب البئر أغنيته التي ما زلت احفظ مطلعها:

ما سَبَاني ما سَبَاني

الّا بنت الجدواني

تُدْخُل باسم الله

و تِطْلَع بالرحمنِ.
و حتى اكملتُ عقدي الثاني من العمر و انا اذكر قصة ذلك الجنيّ العاشق عندما امرُّ من الأرض التي يقع فيها بئر الجدواني, و كالعادة لا بد من أن ينحرف مسار سيري عند اقترابي من البئر " عشان ما يطلعلي العفريت أو أدعس عَ رِجلَه بالغلط "
فتحت احدى نساء الحارة مرةً قصة القطط السوداء اثناء جلوسهن حول فرن الخبز لموانسة أمّي أثناء الخبيز, ذكرت تلك المرأة قصة طريفة لبسّة سوداء, و كما هو متعارف بين الريفيين أن القطط السوداء عادةً ما تكون هيئة خارجية لجنّي أو جنيّة محترفة.
لا أعلم ان كانت تلك القصة قد حدثت في ترمسعيا ام بإحدى القرى المجاورة لكن ما اذكره من القصة ان احدى البسس السوادء دخلت لمطبخ امرأة تعدّ الغداء, و صعدت تلك البسّة على الطاولة و بدأت بأكْل قطعةً من اللحم, فلعلّ تلك البسّة تحبُّ المشاوي كما تحبُّ الاتيكيت , فهي لا تنتظر نصيبها من العِظام بعد الغداء, بل تقدّمت بكلّ ثقة الى الطبق مباشرة, حينها كان من المرأة أن تصيح عليها بصوت مرتفع و تقول " بِسسسسسسسسسس" على سبيل التخويف,, فما كان من تلك البسّة الّا أن و قفت على رجليها الخلفيتين واضعةً رجليها الأماميّتين على خصرها و قالت : " و إِنْ ما بَسّيتش؟؟؟!!! شو بتساوي"فردّت المرأة بالحال : " بَبِسّ أنا!!" و هربت المرأة فارّةً من مطبخها و لعلّها جُنّت إنْ صدقت القصة.
امّا بالنسبة لسراج الغولة, تلك النبتة التي تظهر زهرتها البنفسجية بعد أوّل شَتوَة و هي تنتمي لمجموعة البصيليّات, فقد تعوّدت أنا و رفيقاتي بالحارة الخروج للبحث عنها و استخراجها من الأرض بأناملنا الصغيرة في كل موسم شتاء, كنتُ أجمع بُصيلتين في كل موسم و اشعلها كسراج, و ذلك بحفر البصلة الواحدة و وضع الفتيل بها و اشعاله, أذكر أنّي سألتُ جدّي مرةً عن سبب تسيمة تلك النبتة بسراج الغولة,, فأجابني بأن الغولة كانت تستعملها كسراج لتضيء به كهفها.الغولة ليس لها من وجود على أرض الواقع لكنّها احتلّت دور البطولة في العديد من حكايا التراث, فتراها في قصص "جبينة" و قصة بنات حبّ الرمّان و قصص الشاطر حسن و غيره العديد من حكايا المغامرات.
لكلّ طفلٍ تعريفه للغولة , و تعريفي للغولة الذي استنتجته مما عَلِق في مخيّلتي من الصغر أنّها مخلوق غريب خليط بين الحيوان و الإنسان, ضخمة و لون فروِها أسود و عيناها حمراويْن تتغذّى على الإنسان و الحيوانات الأخرى, و ما يميّزها عن بقية الحيوانات أنها تستطيع مخاطبة الإنس, فهي قبل افتراسها للطفل تخوّفه او تعاتبه, ففي قصّة جبينة و الدوم مثلاً , بعد أن تشعبطت جبينة لأعلى شجرة الدوم حتى لا تاكلها الغولة و قدمت الغولة عند استنشاقها لرائحة إنسيّ فوق الشجرة, كان من الغولة أن تستدرج جبينة للنزول, و خاطبتها بقولها: " لو تظلّي للصبح رايح اوكلك بكل الأحوال, أحسنلك تنزلي, و لو اهلك سائلين فيكي كان ما خلوّكي تطلعي لحالك!!"ما هو سبب الرعب الذي يتعمّد أجدادنا و اباؤنا زرعه في قلوبنا منذ الصغر؟؟!! و هل في ذلك الرعب من مغزى في صقل شخصية الطفل للأفضل؟؟!!لماذا عندما تأخذ الأم الريفية طفلها الصغير للنوم تحاول اقناعه بالنوم بقولها " اجى العوّ" ألا يوجد وسائل أخرى لتنويم الطفل دون تخويفه؟؟ أم أن تلك الوسيلة هي الأنجع في تربية الطفل؟؟!!
أليس للتخويف دوره في صقل شخصية الطفل ليصبح مسالماً لا يعشق أي نوع من أنواع المغامرة و يمشي طول حياته الحيط الحيط و يقول يا رب السِّتر, أم ان باعث الخوف ذلك يحفّز في الطفل استكشاف حقيقة الرعب و حقيقة وجوده و تعزيز روح المغامرة عنده؟؟!

هناك تعليقان (٢):

  1. مقالة جميلة عن التراث"الترمسعاوي"...وانا لليوم عند العين لما بمرك بقرا كل صور القرآن اللي حافظها ..وحبذا لو يتم اضافة قصة المارد اللي طوله من الارض للسما وبلحك النسوان عالعين بالحجار..."والله يرحمه في ختيار قللي قبل ما يموت انه هو اللي كان يظرب حجار"...وهناك قصة حطني يا عودة الله حطني لا حطك الله...وملسة ولد ولده اللي بتشفي وياما الحجة فظية ام ابراهيم حجاز ملستني من بركات ستنا الغولة...وبالنسبة للضبع في واد العين بكا رفائيل الله يرحمه يخوفنا فيه خاف نطل على دويات الشنار..شكرا على القصص الترمسعاوية الاصيلة

    ردحذف
  2. الله الله يا عروبه لقد أعدتينا إلى أيام الطفولة ويبدو أن القصص (الخراريف) تتشابه مع بعــض الإختلاف من قرية إلى أخرى فها أنا أتذكر أمي رحمها الله تحدثنا عن جبيني وكأنني أسمعها الآن
    وهي تقول :

    ياطيــور الطــايره يا وحــوش السايره

    سَلِّـمِـنْ عَ مّي وأبويْ وقُلِـنْ جـبينه دايره

    ترعى بقر ترعى غنم واتْكَيِّل تحت الداليه.

    إستمتعت كثيرا

    تحية أيتها العروبه

    ردحذف