بحث هذه المدونة الإلكترونية

٢٦‏/٠٥‏/٢٠٠٩

حكاية ام العبد الترمسعاوية 6

بقلم: عروبة ربيع

"ضروري يا سَيّد عَبِد تشتري إغراض المِدْرَسة من هانْ!!!" هكذا قالت ام العبد لإبنها عندما آن الأوانْ, و دجَّجَت حقائبها بالأغراض إيذاناً بموعد العودة للأوطانْ. و ابنها يُصِرُّ على شراء قِرطاسية المدرسة من مكتبة أمريكية , لتكون دليلاً لأقرانه في ترمسعيا على وصوله للبلاد الغربية. و كِحال كل ريفيٍّ يحزمُ أمتعته للعودة من بلاد المهجَرْ, لا بُدَّ من الوزن الزائد في أيِّ حقيبة من حقائب السفْرْ, فبهذهِ الحقيبة صابون و كريم و عطور و قرطاسية , و بتلك الحقيبة صاصون و أدوبو و طناجر و ملابس غربية, مع عدم نسيان ام العبد تربيط شُنَطِها " بمصّيصَة قوية" و ام العبد تقول لأولادها " بِكَفِّي, انْسَطَحْنْ الشنتات يا اولاد!!", و أولادها يقولون: " يمّا أَيْ هو احنا كل يوم واصلين هالبلاد!!" لاحظت ام العبد أن أحد أطفالها يلبسُ قميصاً عليه ورقة التسعير, فهزّت رأسها و قالت: " لَهْ يمّا, عُمْرَك حَسّْيت من أبوك أَيّْ تقصير!!!, إنْتَ سَوَّيت زَيّْ الهجين الواقع في سَلِّة تين!!, ما الأواعي اللي عندك في البلد بِلَبِّسن عِشرين". و حزم الجميع الأمتعة و انطلقوا متوجِّهين للمطار, و ام العبد تدعو ربَّها أن يجعل رحلتها سليمةً من الأضرار. و بعد يومٍ من التحليق فوق البحار و المحيطات, و عَدِّ ام العبد التنازلي للدقائق و الساعات, أعلن كابتن الطائرة وصول الرحلة للأردن بسلام, و ام العبد تذرف دموعها شوقاً للأرض و حمام البيت و الأغنام, و تسترجع شريط ذكرياتها في تلك الرحلة إلى أرض الأحلام. و تقول بنفسها :" و الله و جار عليكي الزمن يا ام العبد و إتْغَرَّبْتِي, و الأجانب اللي ما قدّروكي بالناس الأطياب بَدَّلْتِي, سيرتك كانت بتِرْفَع الراس و قيمتك في بلدك ما إبْتِنْدَاس , و مع هيك إِطْمِعْتِي, رحتي عَ بلد ما بتعرفيها, لا عرفتي تروحي و لا تيجي فيها, و صَرَفْتي قروش أبو العبد و طلعتي مَلْحُوقة, على هدايا و حكي فاضي و كأنِّك كاينة مَزْنُوقَة. كُنتي قنعانة و عينك مَليانَة, و أبو العبد يحِبِّك و راضي فيكي و شبعانة, و من صُنْع ايدك تِطْعَمي اولادك, من خير أرضك و أرض اجدادك". هكذا تحسّرت ام العبد على قرارها الذي اتخذته في السفر و الترحال, من أجل الحصول على الإقامة الامريكية بِغرَض "تحويش" الذهب و الأموال, لكنَّ قلبها الذي ينبع بالأصالة الريفية, و دمها المخلوط بالأعراف الشرقية جَعلها تَقْنَع بما كُتِبَ عليها من أوضاع معيشية و حياة بسيطة فلّاحية, فهي ترى أن السعادة براحة البال لا بتجميع الذهب و الأموال, و خَتَمت حديثها لنفسها بقولها: " يا ريتني يا ابو العبد ما ترَكتك و تَرَكْتْ أرضك, صَدق اللي قال: يا معَمِّرْ في غير بَلدَك لا هو إلك و لا هو لَوَلَدك" توَجَّهَت ام العبد و أطفالها في اليوم التالي إلى فلسطين, متشوِّقين لترمسعيا و أهلها الطيّبين, و رؤية أبو العبد و بيتهم الذي ما رأوه من شهرين, فلاقاهم أبو العبد على استراحة أريحا بالأحضان و القُبَل, و حملَ الحقائب متوجّهاً الى تكسي الأمل, و العتّالين ينظرون الى ابو العبد نظرة حقد و غِلِّ, حيث قطع رزقهم في ذلك اليوم المملّ, و ام العبد تقول : " بلا عتّالين بلا كَشَل, يعني اذا روّحنا من أميركا صرنا من دار أبو القُذَل!! مزبوط احنا ناس طيّبين بَسْ مش هِبِل"
أفاقت ام العبد في اليوم التالي مع طلوع الفجر, فشمّرت عن ساعديها متشوّقةً لروتينها الريفي بكلّ فخر, و عجَنَت و خبزت قبل مَفِيق أبو العبد و عياله, و حضّرت الفطور المتألّق بجماله, و عادت الى عملها الريفي المعهود, يملأها الحبُّ و الشوق و الأمل و الجود, و لبست ثوبها الجديد استعداداً لاستقبال الوفود, القادمين لرؤية ام العبد بعد قدومها من البلد البعيد, للتسليم و تحصيل الهدايا من كل جديد. و ظلّت ام العبد تعيد و تزيد, بحكايا مغامراتها في البلد البعيد, بلد الاحلام, بلاد العم سام, لكلّ جارةٍ مارّة بالباب أو لمن زارها من الأقارب و الأحباب, ولا تتوقّف عن الكلام الّا عند جنوح الظلام, فالكلّ في ذلك الوقت نيام. فتخلد ام العبد الى فراشها غارقةً بالأحلام, في انتظار اليوم التالي لتروي قصّتها للأنام. و إلى اللقاء في الجزء القادم من يوميات المرأة الفلاحة الذكية, و التي حفظنا اسمها ام العبد الترمسعاوية, أرويها لكم من بلاد المهجرْ, لعلّي بِمَعيَّتِكُم أتذكِّرْ, نساء ترمسعيا ذوات الأثواب و المناديلْ, اللاتي ما زِلنَ يرْمِزْنَ لتراثنا الشعبيِّ الأصيلْ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق