بحث هذه المدونة الإلكترونية

٢٦‏/٠٥‏/٢٠٠٩

حكاية ام العبد الترمسعاوية 3


بقلم: عروبة ربيع
وقفت أم العبد على شرفتها تستنشق النسيم العليل الممزوج برائحة نوّار اللوز في صباح أحد أيام آذار الترمسعاوي, و تدعو ربّها أن يوفّقها في مقابلتها الثانية للقنصلية الأمريكية في القدس للحصول على فيزا للهجرة الى أمريكا. مع ان ام العبد لتلك اللحظة لم ترغب بالسفر, و لكن ضغط الأقارب و اقناعهم لها بضرورة البحث عن الحياة الأمثل في امريكا من أجل معيشة ابو العبد و أطفاله جعلها تقتنع بقضية الغربة.
و بعد الظهيرة عادت أم العبد و ملامح الفرح الممتنع مرسومة على وجهها, فقد حصلت على فيزا هي و ابنائها دون زوجها لتزور أخاها الذي يقطن في مدينة شيكاغو, عندها أقنعها أبو العبد بضرورة المغامرة و طمأّنها بقوله " ما تخافي عليّ, أهم اشي ترجعيلنا بالاقامة ...قصدي بالسلامة"
و بعد فترة وجيزة, حزمت ام العبد أمتعتها و دجّجتها بالذخيرة الريفية المعهوده من زيتون و مخللات و جبنه و ملوخية جافّه و عدس و قهوة و مكسّرات و البعض من بسكويت العلي بابا و غيره الكثير من المواد التموينية الضرورية لبقاء كلّ ريفي متغرّب على قيد الحياة!!, و أخذت ام العبد تودّع ابو العبد و الدموع تنهمر كالشلالات على خدّيها هي و أطفالها بينما يقف سائق التكسي يتأفّف من الانتظار و يسبًّ ام العبد بصوت منخفض أحياناً و يقول أحياناً أخرى "يلا يختي بدنا نلحّق الجسر".
و كَحالِ كل فلسطيني يشدّ الرحال عليه المرور بالشقيقة الأردن, و أوّل ما استوقف ام العبد على جسر الأردن هي الجملة التي أخذ طفلها الأصغر يتهجّأ كلماتها على لوحة في صالة المستقبلين فيقول بصوتٍ مرتفع " الله .. الوطن .. الملك" , عندها نهرت ام العبد ابنها بقولها " امشي يمّا, هاظ واحد بتخوّث عالشعب المسكين و احنا مالنا".
ولكن لسوء حظ ام العبد فهي لا تملك الأقارب المعهودين لكلّ فلسطيني في الأردن الشقيقة, مما اضطرها للمبيت في احدى فنادق العاصمة عمّان. و في الصباح الباكر و قبل التوجّه الى المطار أخذت ام العبد ترتّب أسرّة الفندق قبل المغادرة, عندها استغرب العبد من موقف أمّه و اخذ يستعجلها بقوله " بس يمّا فضحتينا بترتّبي في تخوت الاوتيل؟؟!!" عندها أدركت ام العبد أن العالم من حولها تطوّر للدرجة التي أصبح الشخص فيها يدفع المال ليمارس العفانة كما يحلو له!!
و عندما تحقُّق حلم العبد بركوب الطائرة, و بعد المعركة التي أحدثها هو و اخوته فيها و التي كان محورها: من سيجلس بجانب الشباك, حضرت المضيفة تجرّ بيديها عربة الطعام و تسأل ام العبد ( ايش بتحبيّ خالتو تاكلي) لتردّ عليها ام العبد (الله يرظى عليكي و يستر عليكي دنيا و آخره , ريتك سالمة يا حبيبتي جايبتيلي الاكل لعندي!!) ثم بعد تناول عيّنات الطعام المعهودة تلك غطّت ام العبد بنومها العميق الى أن هبطت الطائرة في مطار اوهير الدولي في مدينة شيكاغو, حيث اضطر العبد الحديث مع الموظفين الامريكان على المطار بانجليزياته المطعّمة باللغة العربية.
و بعد وصول ام العبد و أولادها الى أمريكا, أخذ أخوها يعرّفها على بلاد العم سام, فيأخذها يوماً للسوق و يوماً آخر للمنتزه و أحياناً الى مكان عمله, و ام العبد تقارن بين مسقط رأسها و بلاد المهجر في كل موقف تمرّ به, و مما اذكر من تلك المواقف استهجانها لأسلوب التسوّق في امريكا و ذلك لعدم وجود المفاصلة بين البائع و المشتري, فعند ذهابها للمجمع التجاري ( المول) كانت تستوقف العاملة على "الكاشير" للحظات و هي تحاول معها انقاص السعر دون جدوى , فقد سمعتها تعبّر مرّةً عن استيائها بقولها ( انا عمري ما انغلبت في البيع و المشترى الا في اميركا), و اذكر مرّةً حين همّت ام العبد بحفر محيط الفناء الخلفي لاستبدال العشب ( النجيل) بالقثائيات من بندورة و خيار و كوسا و غيره من المزروعات التي تعود عليها بالخيرات, و لكن هنا حاول اخوها منعها و وضّح لها ان الشخص في امريكا ان اراد الزراعة فعليه ان يشتري التراب من المحلات المخصصة لذلك و يزرع ما يحلو له فيه, و هنا استشاطت ام العبد غضباً و قالت:" هاظ اللي ظايل عليّ, اشتري تراب!!! "
و مع مرور الأيام بدأت ام العبد تضجر من المعيشة في أمريكا, و أخذت تملّ من الروتين الأمريكي, فهي لا تجد راحةً في السوق و لا في البيت و لا حتى في الأكل و الشرب, فلم تستسِغ الخبز الامريكي و لم تستطع استبداله بخبزها الطازج , فما كان من أخوها بعد ملاحظته لضجر أخته الا أن يشتري فرناً صُنع خصّيصاً لأمثال أم العبد المهاجرات ليفاجئها به, و هنا عمّت الفرحة على قلب أم العبد حين لبست الزيّ الرسمي للخبيز و عجنت العجنة التي لطالما اشتاقت لها, و رفعت ثوبها تحت شدادها ( حزامها) و اخذت بتجميع ما تساقط من أغصان و أوراق في الحارة و دجّتها في داخل الفرن الذي وضعته في الفناء الخلفي للبيت (الباك يارد), لتسمع بعدها صوت الاطفائية امام منزلها, فقد هرع الاطفائيون بخراطيمهم لإخماد نار ام العبد و لكنهم تفاجئوا عند رؤيتهم لها تجلس ببرود أمام الفرن و بجانبها وعاء العجين, فاخذت تقول لهم (هاظ خبز مش حريقة) و رجال الاطفاء لا يفهمون ما تقصد ام العبد بقولها, و بعد نقاش الطرفين بالاشارة تم الاتفاق فيما بينهم على ان تخبز ام العبد في ذلك الفرن مستقبلاً و لكن بعد ان تنقل الفرن امام بيتها ليراه الجميع لا أن يروا الدخان المنبعث منه فقط.

هناك تعليق واحد:

  1. عندما تنصهر الكلمه في قالب المشاعر وصدق الأحاسيس أراك
    وعندما تتلألأ الحروف براقة كأنها نجوم في ليلة سماؤها صافيه أراك

    هذه هي أول خطوه لك في طريق طويل اتمنى أن تنالي مرادك واتمنى أن يرقص لك الحظ في كل متاهات الحياة وأن تكلل كتاباتك با النجاح

    دمت بود ودمت لصديقتك المخلصه

    سهى جاسر

    ردحذف