بحث هذه المدونة الإلكترونية

٢٦‏/٠٥‏/٢٠٠٩

حكاية ام العبد الترمسعاوية 2



بقلم: عروبة ربيع

ام العبد ذات الثوب المطرّز المثني من الأسفل تحت ما يُدعى بالشّداد (حزام من الحرير الأحمر), ام العبد ذات الجبين المتعرّق على ثنايا الزمن, تلك المرأة التي كانت و ما زالت مثال المرأة الفلاحة الكادّة الفلسطينية.
ام العبد التي تُتقن بجدارة الأعمال المنزلية الفلّاحية و منها عمليتي العجْن و الخبْز, و التي كنت أتوق لرؤيتها عندما تفترش الأرض لتقعد تلك القعدة المميزة أمام وعاء العجن, فتثني رجلاً تحت فخذ الرجل الأخرى و تمدُّ الأخرى بشكل يوازي وعاء العجْن و بجلسة معتدلة و ظهرٍ قائم الزواية, و كأنّها تقول في جلستها " أراهن أن تستطيع راقصة الباليه اتقان حركتي هذه!!؟
و تبدأ بالعجن بأسلوب كلّه مهارة و فنّ, فهي تارةً ترفع ما يحويه الوعاء من عجين بيدٍ واحدة و تقلبه, لتفوق بذلك حملة الأثقال الذين يوزّعون الحمل على كلتا يديهم, و تارةً تغلغل أصابعها القصيرة في العجين و تقوم بحركات قويّة و بارعة لتظهر لها فقاعات عجيبة في النهاية على ظهرِ كومة العجين تلك, و لسان حال تلك الفقاعات يقول " بكفّي مشان الله هلكتينا!!؟
و ما أن تستوي تلك العجنة حتى تهمّ أم العبد بالتحضير لأجواء عملية الخبيز, فهي تُخصّص حجراً على شكل المكعّب الهندسي و تضعه بزاوية تتراوح بين 70-80 درجة من باب الفرن, بحيث تستطيع من ذلك الموضع أن تكون قريبة من الفرن أمامها و الحطب الى جهتها اليسرى و العجين الى جهتها اليمنى, كما و تستطيع مراقبة ما ان غافلتها احدى الجارات من الوراء أو أحد أطفالها من الجانب. و استطرد هنا لأعقّب عن قولي بأن أم العبد لو تعلّمت لكانت سياسية بارعة, فلو تمّ تعيينها وزيرة للدفاع لأبدعت في توزيع الرُّتب و المواقع على أصحابها و لن يُباغت العدوّ أيّاً من جنودها.
....نعود للخبيزتتخذ أم العبد وضعية مختلفة تماماً هنا, فهي تجلس بأريحية أكثر و تبدأ بالتفنّن في اقتطاع الكميّة المناسبة من العجين في كلّ مرة, و أراهن أنه لو تم أخذ كل عينة من العجين المُقتطع و توزينه لحصلنا على نفس النتيجة دائماً بفارق بسيط جداً لا يتعدّى الأجزاء من الغرام الواحد, و هنا تبدأ أم العبد برقّ تلك الكميّة من العجين و تقليبها بين يديها بكلّ أريحية بعد أن صنعت بها العجَب أثناء العجن, فمن الطبيعي رضوخ العجين لها في تلك اللحظة و تقبّله للتشكيل, لتحصل على سُمْكٍ للرغيف الوحيد لا يزيد عن بضعة ميلليمترات, فتفوق بذلك أمهر طهاة البيتزا في روما.ثمّ تغوص أم العبد كطائرة اف-16 بزاوية حادة جداً على حصوات الفرن ذات الحرارة العالية و ترمي ما بيديها من ذخيرة و تغطّي عليها بغطاء الفرن المصنوع من الصاج , و تكون بذلك قد انقضت من مهمَّة الاستيلاء على تلك الكمية من العجين, ليأتي هنا أبو العبد كي يحصد الغنائم ببساطة, فهو يبدأ أولاً بمغازلة ام العبد و ملاطفتها ثم يُلحقها بقوله " بدكيش تطعمينا من خُبزك الطيّب!!؟؟
"ام العبد و امريكا"بحُكم اصرار بعض أقارب ام العبد على تهجير ام العبد و عيالها الى أمريكا للّحاق بالرّكب الترمسعاوي المتأمرك, قررت أم العبد المغامرة و زيارة القنصلية الأمريكية في القدس و السعي للحصول على فيزا, اذكر حينها أن العبد تغيّب لأسبوع عن المدرسة فلقيته يوماً و سألته عن سبب امتناعه عن الذهاب للمدرسة ليُجيبني بكلّ براءة و حماس " لاننا بدنا نسافر ع اميركا" و من المعلوم أنَّ القنصلية الأمريكية قد رفضت محاولة ام العبد للهجرة و اعتقد أن مُبرّرهم لذلك هو نظرات ام العبد التي توحي باستحقار كل ما هو أمريكي, عداك عن مظهرها الدالّ على عدم الرغبة بالهجرة.
اذكر مرّةً أني رأيت ام العبد تلبس كنزة (جرزاية) رمادية من الفرو الأمريكي الصنع, و كانت معالم الدفء تظهر بوضوح على وجنتيها السمراوين, فقالت لي حينها " كدّيش عندي جرازي بس زي هاي الجرزاية ما بدفّينيش" طبعاً اعتقد أن شعور أم العبد بالدفء ليس بسبب الفرو الناعم, فجرزاية الصوف الأردنية الصنع كفيلة بتوليد الاحتكاك مع ثنايا ظهرها المُتعب للحصول على درجة الحرارة المطلوبة في شتاء ترمسعيا المعتدل, الّا أنَّ الدفء النابع من جرزاية الفرو الرمادية تلك هو شعور ام العبد بالحنان و الرومانسية التي افتقدتها من أيام كان ابو العبد مهنّد أو روميو البيت في بداية عقدها الثاني من العُمر.
كنت قد رأيتها مرّة أخرى تلبس حذاءً جلدياً أسود لعلّها حصلت عليه من احدى قريباتها في أمريكا, و عَرفتُ أنها لم تُضحّي بحذائها البلاستيكي الأسود ذو الأربع حصوات في كعبه, بل احتفظت به للحقل, و هو ما أصبح دارجاً في ترمسعيا حالياً بمصطلح " كندرة السراحة", فهنيئاً لأم العبد و أصالتها و فخرها بكلّ ما هو فلّاحي و عدم التفريط به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق